والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجهه، موافقًا لمرضاته، نافعًا لعباده، إنه قريب مجيب.
المبحث الأول
أقسام بيع الدين بالدين (1)
المطلب الأول
بيع الواجب بالواجب
القسم الأول: بيع الواجب بالواجب:
وهو بيع دين مؤجل لم يقبض بدين مؤجل آخر لم يقبض، أو بيع الدين المؤخر الذي لم يقبض بالدين المؤخر الذي لم يقبض.
فكلاهما مؤخر مؤجل، لم يقبض أحدهما، أو يسقط (2) .
"مثل أن يسلم شيئًا مؤخرًا في الذمة في شيء في الذمة" (3) وهو محرم بالإجماع (4) وهو بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه (5) ، بحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-"أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الكالئ بالكالئ" (6) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وهذا مثل أن يسلف إليه شيئًا مؤجلًا في شيء مؤجل، فهذا الذي لا يجوز بالإجماع، .. والإجماع إنما هو في الدين الواجب بالدين الواجب، كالسلف المؤجل من الطرفين" (7) .
وقال رحمه الله:"لا يجوز باتفاقهم، لأنه كلًا منهما شغل ذمته بما للآخر من غير منفعة حصلت لأحدهما، والمقصود بالبيع النفع،فهذا يكون أحدهما قد أكل مال الآخر بالباطل إذا قال أسلمت إليك مائة درهم إلى سنة في وسق حنطة، ولم يعطه شيئًا، فإن هذه المعاملة ليس فيها منفعة، بل مضرة، هذا يطلب هذا بالدراهم، ولم ينتفع واحد منهما، بل أكل مال الآخر بالباطل من غير نفع نفعه به (8) ."
وقال رحمه الله:"والمقصود من العقود: القبض، فهذا عقد لم يحصل به مقصود أصلًا، بل هو التزام بلا فائدة" (9) .
وقال رحمه الله:"إنه عقد وإيجاب على النفوس بلا حصول مقصود لأحد الطرفين، ولا لهما" (10) .
وقال ابن القيم -رحمه الله-:"إنه اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة، فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله، وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بلا فائدة" (11) . وقال -رحمه الله-:"وفيه ذريعة إلى تضاعف الدين في ذمة كل واحد منهما في مقابلة تأجيله، وهذه مفسدة ربا النساء بعينها" (12) .
المطلب الثاني
بيع الساقط بالساقط
القسم الثاني: بيع الساقط بالساقط:
وهو: بيع دين ثابت في الذمة يسقط إذا بيع بدين ثابت في الذمة يسقط" (13) مثل أن يكون لأحدهما عند الآخر، وللآخر عند الأول دراهم، فيبيع هذا بهذا" (14) .
وهو ما يعرف بمسألة المقاصة (15) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وهذا بيع دين ساقط بدين ساقط، ومذهب أبي حنيفة (16) ، ومالك (17) ، جوازه" (18) .
وقال رحمه الله:"والأظهر جواز هذا، لأنه برئت ذمة كل منهما، فهو خلاف ما يشغل ذمة كل منهما.." (19) .
وقال رحمه الله:"إن هذا يقتضي تفريغ كل واحدة من الذمتين، ولهذا كان هذا جائزًا في أظهر قولي العلماء كمذهب مالك، وأبي حنيفة" (20) .
وقال رحمه الله:"إن براءة ذمة كل منهما منفعة له" (21) . وقال ابن القيم -رحمه الله- معللًا للجواز:
"لأن ذمتهما تبرأ من أسرها، وبراءة الذمة مطلوب لهما وللشارع" (22) .
واختار الجواز -كذلك- العلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي (23) ، وتلميذه العلامة الشيخ محمد بن عثيمين (24) ، رحمهما الله.
أما المذهب: فلا يجوز ذلك، لأنه بيع دين بدين (25) .
ويجاب عن ذلك بأن بيع الدين بالدين المنهي عنه هو بيع الواجب بالواجب، لاشتغال الذمتين فيه بغير منفعة -كما تقدم-"بخلاف بيع الساقط بالساقط، فإن براءة ذمة كل منهما منفعة له" (26) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"لفظ النهي عن بيع الدين بالدين لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف..، قال أحمد: لم يصح فيه حديث، ولكن هو إجماع، وهذا مثل أن يسلف إليه شيئًا مؤجلًا في شيء مؤجل، فهذا الذي لا يجوز بالإجماع، وإذا كان العمدة في هذا هو الإجماع، والإجماع إنما هو في الدين الواجب بالدين الواجب، كالسلف المؤجل من الطرفين، فهذه الصورة -وهي بيع ما هو ثابت في الذمة ليسقط بما هو في الذمة- ليس في تحريمه نص ولا إجماع ولا قياس، فإن كلًا منهما اشترى ما في ذمته، وهو مقبوض له بما في ذمة الآخر، فهو كما لو كان لكل منها عند الآخر وديعة، فاشتراها بوديعته عند الآخر، وهنا حصلت بالبيع براءة كل منهما، وهي ضد ما يحصل ببيع الدين الواجب بالدين الواجب" (27) .
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:"اشتهر أنه نهي عن بيع الدين بالدين، لكن هذا اللفظ لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الدين المطلق هو المؤخر، فيكون هو بيع الكالئ بالكالئ" (28) .
وقال -رحمه الله-:"إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن بيع الدين بالدين، ولكن روي"إنه نهى عن بيع الكالئ بالكالئ"مع ضعف الحديث، لكن بيع المؤخر بالمؤخر لا يجوز باتفاقهم" (29) .
وقال -رحمه الله-:"وكونه يشمله لفظ بيع دين، ولو كان هذا لفظ صاحب الشرع لم يتناول هذا، فإنه إنما يراد بذلك إذا جعل على هذا دين بدين يجعل على هذا، وهذا لم يبق على هذا دين ولا على هذا دين فأي محذور في هذا؟ بل هذا خير من أن يؤمر كل واحد منهما بإعطاء ما عليه، ثم استيفاء ما له على الآخر، فإن في هذا ضررًا على هذا وعلى هذا، وتضييع ما لهما لو كان معهما ما يوفيان، فكيف إذا لم يكن معهما ذلك؟ ينزه الشرع عن تحريمه فإن الشارع حكيم لا يحرم ما ينفع ولا يضر" (30) .
المطلب الثالث
بيع الساقط بالواجب
القسم الثالث: بيع الساقط بالواجب:
هو بيع دين ثابت يسقط ويجب ثمنه (31) .
كمن باع مائة صاع من البر ثابتة له في ذمة شخص بمائتي ريال (32) .
وهذا جائز على الصحيح، سواء كان الدين المبيع دين سلم، أو رأس مال السلم -بعد فسخ العقد- أو غيرهما، وسواء باعه على من هو عليه، أو غيره، لكن بشروط -كما سيأتي- لأنه لا دليل على المنع، والأصل حل البيع، ولأن ما في الذمة مقبوض للمدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"ويجوز بيع الدين في الذمة من الغريم وغيره، ولا فرق بين دين السلم وغيره، وهو رواية عن أحمد (33) ، وقال ابن عباس، ولكن بقدر القيمة فقط، لئلا يربح فيما لم يضمن" (34) .
ومن المناسب هنا الكلام عن هاتين المسألتين:
المسألة الأولى: الدين الذي يجوز بيعه.
يجوز بيع كل دين مستقر -من ثمن مبيع، وأجرة استوفي نفعها، أو فرغت مدتها، وقرض، ومهر بعد الدخول، وجعل بعد عمل، وديةٍ، وأرش، وقيمة متلف، -إلا دين السلم"المسلم فيه"على المذهب (35) .
وقد نص الإمام أحمد في رواية: على جواز بيعه كذلك.
واختار شيخ الإسلام (36) وتلميذه العلامة ابن القيم (37) ، والعلامة ابن سعدي (38) ، وتلميذه ابن عثيمين (39) ، لكن بقدر القيمة فقط لئلا يربح فيما لم يضمن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:"وهذه الرواية أكثر في نصوص أحمد، وهي أشبه بأصوله" (40) .
وقال -رحمه الله-:"وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد، وذلك لأن دين السلم مبيع" (41) .
وقال رحمه الله:"وهو مذهب مالك، وقد نص أحمد، على هذا في غير موضع، وجعل دين السلم كغيره من المبيعات" (42) .
وقال رحمه الله:"وهو قول ابن عباس، ولا يعرف له في الصحابة مخالف، وذلك لأن دين السلم دين ثابت، فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض، وكالثمن في المبيع، ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه، كالعوض الآخر" (43) .
وقال ابن القيم -رحمه الله-:"وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الشافعي، وهو الصحيح، فإن هذا عوض مستقر في الذمة، فجازت المعاوضة عليه، كسائر الديون، من القرض وغيره" (44) .
فإن قيل: ما الجواب عن حديث:"من أسلف في شيء، فلا يصرفه إلى غيره" (45) .
فالجواب عنه من وجهين: