الاختلاف بين المفتين ظاهرة طبيعية وجدت منذ عصور متقدمة، ولهذا لا ينبغي أن ينتقد أهل العلم في ذلك، وقد شعر العامة بهذا المأزق بسبب كثرة برامج الفتاوى التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة، وهي ظاهرة صحية وليست مرضية، ما دام المفتي المستضاف على قدر من العلم والحكمة، وقد كتبت مقالًا في موقف العامي من خلاف المفتين - منشور في موقع الإسلام اليوم - بينت فيه المخرج من هذا المأزق بكلام مفصل، حاصله: أن المستفتي لا يجوز له أن يتتبع الآراء الشاذة ولا أن يتتبع رخص الفقهاء بإجماع أهل العلم كما حكاه الحافظ ابن عبد البر، وإذا اختلفت عليه الفتوى فالراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أن العامي يجتهد حسب تمييزه، ويتقي الله حسب استطاعته، فإن ترجح له قول أحد المفتين لكونه الأعلم الأورع أخذ بفتواه، فإن استويا في العلم والورع، أو شق عليه معرفة الأعلم منهما، وكانت نفسه تسكن لفتيا أحدهما ويطمئن لها قلبه دون فتيا الآخر، أخذ بهذا المرجح، وكذا لو ترجح له قول أحدهما لكثرة من أفتى به من أهل العلم.
كيف ترى أهمية دراسة الاقتصاد والاستفادة مما فيه من إيجابيات، وهل هناك أخطاء يتم تصديرها للعالم الإسلامي؟
أرى أن هذا من الأهمية بمكان؛ إذ لا ينبغي أن نبدأ من حيث بدأ غيرنا، وإنما نبدأ من حيث انتهوا، وهذا يعني أن نستفيد مما لديهم من حسنات وإيجابيات، لا أن نستورد ما عندهم بعجره وبجره، بمعنى أن نؤسس اقتصادًا إسلاميا مستقلًا لا تابعًا، مع الاستفادة من الخبرات والتجارب الأخرى, لا أن نقوم بعملية ترقيع للاقتصاد الشرقي أو الغربي، مع الاحتفاظ بالأسس التي تقوم عليها تلك الأنظمة، فيصبح التعديل في الشكل لا في المضمون، والنتيجة اقتصاد مسخ، كما هو الحال في برامج الأطفال الكرتونية التي تستورد من هنا وهناك، ثم يجرى عليها بعض اللمسات الإسلامية التي لا تغير المضمون، وهكذا نعتمد على عقول الآخرين، ونستغني عن عقولنا وإبداعاتنا، ونكون عالة على غيرنا، ونبقى متخلفين في ركب العالم الثالث.
وبالنسبة إلى الشق الثاني من السؤال، فإنه لا شك أن هناك أخطاء كثيرة تم تصديرها لعالمنا الإسلامي بقصد أو بغير قصد، ومن أبرزها هذا الربا الذي يمارسه عدد من البنوك في بلادنا الإسلامية، مع كونه كبيرة من أكبر الكبائر، والغريب أنه بدأت تظهر هناك في الغرب بعض النداءات المطالبة بإلغاء الربا؛ لأنه لأن الواقع أثبت فشله أمام التعاملات المصرفية الإسلامية، وأنها أكثر جدوى ربحية منه، وقد نشر في جريدتكم الاقتصادية خبر أو تقرير عن هذا الموضوع، وأنه قامت بعض المصارف الأوروبية بافتتاح فروع إسلامية في بلادها لما ثبت لديها من الجدوى الاقتصادية لهذه المصارف، ومع هذا كله نجد من بني جلدتنا من يأكل الربا بكلتا يديه، ويؤكل غيره، بل ويحرم كثيرًا من أبناء الوطن من الدخول في بعض الشركات المساهمة؛ لأنه أبى إلا أن يأكل الربا ويدعو الناس معه على مائدته!!
ومن الأخطاء التي تم تصديرها إلى بلادنا الإسلامية هذا النظام الغربي لسوق الأسهم, الذي ضحاياه اليوم أكثر من مليوني شخص مابين قتيل وجريح ! وهذه الضحايا كما تهاوت في سوقنا، فقد تهاوت قبل في نيويورك، وفي الكويت، وفي دول جنوب شرق آسيا، وغيرها، ولا عجب مما حل في سوقنا إذا علمنا أن هذه الصالات تدعى في بعض البلاد الغربية بصالات القمار، وما حرم الله تعالى الرحيم بعباده على خلقه شيئًا إلا لما يشتمل عليه من ضرر في العاجل والآجل، ولو لم يكن فيه من ضرر إلا أنه أدى إلى ركود اقتصادي في البلد، بل أدى إلى نقيض ما أسست الشركات من أجله وهو الاستثمار، حتى قامت بعض الشركات باستثمار 60 في المائة من السيولة التي لديها في هذه السوق التي تلقف ما صنعوا، ولهذا فالواجب أن نستلهم الدروس والعبر مما يمر بنا من أزمات، حتى لا نلدغ من جحر واحد مرتين، أو أكثر!! ومن الخطأ أن نعتقد أن هذا النظام القائم هو قدرنا الذي يجب علينا أن نختاره، فنلزم أنفسنا بتجربة أو تجارب أثبت الواقع فشلها، فكم سمعنا في وسائل الإعلام المختلفة أن هذه السوق قوية واقتصادنا واعد، فلا يمكن أن تنهار السوق، وخالف الواقع كل هذه القناعات! وانهارت السوق بين عشية وضحاها. والواقع أنه لا غرابة من هذا الانهيار، ولأضرب لذلك مثلًا: لو أن مجموعة من المضاربين اجتمعوا على سيارة أجرة قديمة مستعملة أكل عليها الدهر وشرب وتقيأ، وليس للناس رغبة للركوب فيها، فهي لا تدر على صاحبها ربحًا يذكر، بل ربما ينفق عليها أكثر مما يأخذ منها، كما هو ظاهر من حالها، ومع هذا كله أخذ هؤلاء المضاربون يبيعونها ويشترونها في اليوم أكثر من ألف مرة، وبأسعار لا تتفق مع الواقع، وهي واقفة لا تراوح مكانها ! وسبب هذا الغلاء لهذه السيارة المهترئة، أن المشترين كثر، فمهما اشتريتها بسعر غال فستجد من يشتريها منك، وهي واقفة لا تتحرك، فهل هذا بيع أسس على تقوى من الله ورضوان، أم هو قمار أسس على شفا جرف هار، فانهار به، وهكذا الأسهم حين هوت بأصحابها، حيث كانت المضاربات تتم على شركات تراوح مكانها، والمضاربون يساومون عليها وهي تغط في نوم عميق!!
هناك بعض الآراء لكم تشير إلى تشابه الأسهم مع القمار، هل بنيت ذلك على أسس معينة؟
أحب أن أنبه أولًا: بأن هذا الرأي سبقني فيه غيري من أهل العلم، ممن هم من مشايخي وأساتذتي في هذا المجال، وما أنا إلا تلميذ صغير من تلامذتهم، ومن أبرز هؤلاء العلماء: الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير وهو عضو في مجمع الفقه الإسلامي، والدكتور صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء، والشيخ عبد القادر شيبة الحمد المدرس بالمسجد النبوي، وكذا الشيخ عبد الله المنيع عضو هيئة كبار العلماء الذي أشكره حقيقة على شجاعته حين أعلن هذا الرأي، وأراه اقتنع به أخيرًا حين رأى وسمع هذه الآثار المدمرة للإنسان والاقتصاد على حد سواء، حتى أصبح البعض منا عالة يتكففون الناس!
وأما بالنسبة إلى الأدلة التي استندت إليها، فهي في مقالي الذي نشر في جريدتكم الموقرة، كما نشر في بعض المواقع والمنتديات، وعنوانه"المتاجرة بالأسهم مضاربة أم مقامرة ؟"فأحيل إليه القارئ الكريم، ففيه إجابة عن هذا التساؤل.
ظهرت لبعض العلماء أقوال ودعوات بخصوص الرغبة في انتهاء معاملات الأسهم إلى الأبد، ما رأيكم في ذلك؟