الحقيقة أن أول اهتمامي للكتابة بهذا الموضوع كان عبر البحث الذي كتبته للترقية قبل أكثر من سنة، وعنوانه"زكاة الأسهم المتعثرة"وقد نشر بعد تحكيمه في مجلة العدل الفصلية، وفي بعض المواقع والمنتديات، وقد دفعني للكتابة في هذا الموضوع كثرة المساهمات المتعثرة التي شهدها بلدنا - وللأسف - هذه السنوات الأخيرة، وكثرة سؤال الناس عنها، مما دفعني للكتابة في هذا الموضوع حيث لم أقف على أي بحث أو كتاب عن هذه المسألة النازلة، وبعدما نشر هذا البحث، هاتفني أخي الفاضل الأستاذ عبد الحي شاهين الكاتب في موقع الإسلام اليوم طالبًا الكتابة حول أي موضوع يتعلق بالأسهم، حيث كان تعلق الناس حينها بالسوق على أشده، وكانت رغبته تلك من أجل أن ينشر المقال في مجلة الإسلام اليوم، وكنت حينها أسمع ببعض السلوكيات الخاطئة في سوق الأسهم، فقررت أن يكون المقال حول هذا الموضوع، وحيث لم يكن لي سابق خبرة في هذا المجال فقد سألت بعض الإخوة المهتمين بالسوق عما يدور في الكواليس وفوق الطاولة وتحتها، فوقفت على تجاوزات يندى لها الجبين، فكتبت المقال حينها، ونشر في المجلة، وكان عنوانه"قراءة نقدية لواقع المساهمات في السوق المحلي"وكان له صدى طيب في أوساط المهتمين بالأسهم، حيث نشر في عدد من المواقع والمنتديات، وقد أشرت في ذلك المقال إلى ما يقع في سوق الأسهم من مخالفات شرعية، من نجش, وتدليس, وإشاعات كاذبة، حتى أصبح من المقولات السائدة"اشتر على الإشاعة وبع على الخبر!!"وهكذا أصبح السوق في الحقيقة مجموعة من السلوكيات الخاطئة، وزاد الطين بلة تلك المضاربات التي رفعت بأسعار بعض الشركات إلى معدلات غير حقيقية، حتى نطق المجانين قبل العقلاء، والبسطاء قبل العلماء، بأنها قمار، وأنها ستهوي بالسوق نحو القاع، وقد أشرت في المقال الآنف الذكر إلى هذه الحقيقة، ومن الطريف حقًا أن الأستاذ المحرر عبد الحي أضاف إلى هذا المقال شيئًا من السخونة، حيث أعطاه عنوانًا آخر، وهو"سوق الأسهم على شفا انهيار"ونشر في المجلة في عددها الثامن، ثم نشر على الصفحة الرئيسية لموقع الإسلام اليوم قبل الانهيار بأيام قليلة، وكأنه صيحة تحذير للمضاربين في السوق !
هل تعتقد أن الاهتمام بقضايا الاقتصاد ونوازل العصر يحتاج إلى متابعة مستمرة؟
لاشك أن هذه القضايا المستجدة تحتاج إلى تتبع واستقراء؛ وذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والواقع أن عالم الاقتصاد، بل والعالم بأسره، أصبح يطل علينا يوميًا بكل جديد، وهذا يحتاج من طالب العلم إلى أن يتابع كل ما يستجد في الساحة قدر الإمكان، حتى يضع الحكم الشرعي في محله الصحيح، ولهذا قرر ابن القيم في أعلام الموقعين أن المفتي لا يتمكن من الفتوى إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، والثاني: فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله تعالى الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يطبقه على هذا الواقع.
هل ترون أن هناك أمورًا وضوابط لا بد أن يتعرف عليها المتعاملون في أي سوق تجاري ؟
أهم ما يجب تعلمه على المشتغلين بالسوق: التفقه في مسائل البيع والشراء، ولهذا روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:"من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا"بل استدل بعض المفسرين ومنهم القرطبي على ما قرره عمر بقوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) وعلق القرطبي على هذه الآية بقوله:"لا تدفع مالك مضاربة ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة"، وكثير من الممارسات الخاطئة الواقعة في أسواق المسلمين سببها الجهل بأحكام التجارة، وإن كان الدافع الأكبر لها هو الهوى وحب المال الذي يعمي ويصم .
يفتقد الناس الطرح التربوي الاقتصادي لمعالجة قضايا التعامل الساخنة بين المتعاملين في المجال الاقتصادي.
في الواقع هذا الطرح موجود، ولكنه بشكل محدود جدًا, وينبغي تفعيل هذا الطرح، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، بل على جميع المستويات، فمراعاة الجانب التربوي هي من صميم وظيفة الأنبياء والرسل، ولهذا نجد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد أعطى هذا الجانب حقه من الاهتمام، ففي مجال السوق والبيع والشراء نجده عليه الصلاة والسلام يدخل السوق بنفسه, ويراقب سلوك الباعة, ويقوِّم ما اعوج منها بأسلوبه الحكيم, ولهذا حين دخل مرة السوق, ومر على صبرة طعام، أدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا، فقال ما هذا يا صاحب الطعام ؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غش فليس مني، والحديث في صحيح مسلم. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض"وفي صحيح مسلم"ولا يسم الرجل على سوم أخيه"فهذه الأحاديث القولية, والعملية, كلها تغرس في نفس المسلم حس المراقبة، وتحمله على الأخلاق الفاضلة في السوق وخارجها، ولهذا ورث منه أصحابه الكرام هذا الأسلوب التربوي العملي, فكان عمر يمارس هذا الأسلوب ذاته، فقد روي عنه أنه دخل السوق مرة، فرأى رجلا يحمّل جمله أكثر من طاقته، فقال له عمر منكرًا عليه:"حمّلت جملك ما لا يطيق!"ومرة دخل السوق فمر بحاطب بن أبي بلتعة وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما، فسعّر له مدين لكل درهم، فقال له عمر: قد حدّثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبًا، وهم يعتبرون سعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت. فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبًا في داره، فقال له: إن الذي قلت ليس بعزمة مني ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع"وبتأمل هذا الأثر نجد عمر قد اهتم بشأن السوق حين دخله وقام فيه بجولة, رغم مكانته رضي الله عنه، ثم إن هموم الناس قد خالطت شغاف قلبه، حين خشي أن يؤدي تخفيض سعر البيع إلى الإضرار بالباعة، ولهذا أمر حاطبًا أن يبيع بسعر السوق، وبعد أن خرج من السوق لامته نفسه، وخشي أن يكون قد تدخل فيما ليس من شأنه، فرجع إلى السوق ثانية، وقال له ما قال معتذرًا، وهذا من تواضعه رضي الله عنه، ثم صرح له بالبيع كيف شاء، وترك سعر السوق يخضع لقانون العرض والطلب دون تدخل منه، أو من غيره. ومما روي عنه رضي الله عنه أنه رأى مرة رجلًا خلط اللبن بالماء، ويبيعه على هذه الصورة، فأراقه عليه. فهذه المواقف ونحوها، تعطي المتعاملين في السوق دروسًا عملية في التربية، واستحضار مراقبة الله تعالى في البيع والشراء، وتحريم إلحاق الأذى بالناس .. إلخ، وهكذا ينبغي أن يكون ورثة الأنبياء، وهم العلماء، فينبغي أن يكرسوا الجهد في سبيل الدعوة, والتربية, والإصلاح."
يقف المستفتي حائرًا في أحيان كثيرة بسبب تضارب الفتوى، فكيف يمكن للمستفتي أن يتجاوز هذا المأزق؟