ومن باب الاستطلاع فقد قمت بسؤال عددٍ من المستثمرين في شركتي"اللجين"و"أميانتيت"عن نوعية نشاط تينك الشركتين ، فكانت الإجابة بعدم العلم ، فعرفت أن الكثير من المساهمين إنما يستقي معلوماته عن نشاط الشركة من اسمها فقط ، وأن غاية ما يبذله في التحري أن يسأل أهل العلم عن حكم المساهمة في تلك الشركة دون دراية بما فيها من النقد وما عليها من المديونيات وما لها من الأصول وغير ذلك.
8.ومن لازم هذا القول تحريم تداول أسهم البنوك الإسلامية بقيمتها السوقية لأن الغالب في موجودات تلك البنوك أنها نقود أو ديون في ذمم المتمولين ، ومع ذلك فعامة الهيئات الشرعية لتلك البنوك على الجواز .
ثالثًا-وعلى فرض التسليم بصحة التكييف الثاني لبيع الأسهم - وهو أن له حكم ما يمثله السهم من موجودات - فالذي دل عليه حديث ابن عمر السابق"من باع عبدًا له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع"أن المبيع إذا اشتمل على نقدٍ واشتري بنقدٍ من جنسه ، ولم يكن النقد المخلوط مقصودًا فلا يلتفت إليه بمعنى أنه لايجري على الصفقة حكم الصرف ، حتى ولو كانت قيمة النقد المخلوط أكثر من قيمة الخِلط الذي معه ، قال ابن قدامة -رحمه الله-:"الحديث دل على جواز بيع العبد بماله إذا كان قصد المشتري للعبد لا للمال... فيجوز البيع سواء كان المال معلومًا أو مجهولًا ، من جنس الثمن أو من غيره ، عينًا كان أو دينًا ، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر (77) ."
ومن المعلوم أن العبد لا يملك وأن المال الذي بيده مآله للمشتري ، ومع ذلك جاز البيع مطلقًا بدون تقابض ولا تماثل حتى مع اتفاق النقدين ( المال الذي معه ، والثمن الذي يشترى به العبد ) ، وحتى لو كان المال الذي مع العبد أكثر من قيمة العبد نفسه .
ولا يشكل على هذا الحديث حديث القلادة - المتقدم - فإن الذهب الذي في القلادة مقصود للمشتري بخلاف المال الذي مع العبد .
وهذا أحسن ما قيل في الجمع بين الحديثين .
ويؤخذ من هذين الحديثين أن العبرة بالقصد لا بقيمة المال الربوي ، فإن كان المال الربوي مقصودًا فوجوده في الصفقة مؤثر ، وإن كان تابعًا فلا يؤثر ، كما أن هذا التفصيل يتماشى مع القواعد الشرعية:"العبرة في العقود بالمقاصد"و"التابع تابع"وغيرها.
وبخصوص الشركة التي نتحدث عنها ، وهي شركة الصحراء ، وغيرها من الشركات الإنتاجية حديثة التأسيس فإن النقد الذي فيها ليس بمقصود لأمرين:
الأول: أن المشتري -بشرائه السهم- لا يقصد الحصول على النقد الذي في الشركة ، ولا ينتقي من الشركات ما هو أكثر نقديةً ، بل قصده الحصول على الربح الرأسمالي أو الدوري أيًا كانت الموجودات .
والثاني: لأن المقصود من نشاط الشركة هو الاستثمار في المنتجات البتروكيماوية ، وهي من العروض ، وأما غلبة النقدية في موجوداتها لفترة من الفترات فهي أمر عارض ولا يعد ذلك من نشاطها المقصود.
رابعًا- وعلى فرض التسليم بأن النقد الذي في الشركة مقصود وأن بيع الأسهم له حكم بيع موجوداتها فإن صورة هذه المعاملة كمسألة"مد عجوة ودرهم"وهي: بيع الربوي بجنسه ومع أحدهما من غير جنسهما ، وكل من الربويين مقصود في العقد ، وبيان ذلك أن الأسهم مؤلفة من:
1.النقد ، وهو بالريالات .
2.والأموال الأخرى من حقوقٍ وأعيانٍ ومنافع .
والثمن من الريالات ، فالريالات في طرفي العقد مقصودة ، ومع أحد الطرفين مالٌ غير ربوي .
والذي ترجح من الخلاف السابق في مسألة"مد عجوة ودرهم"- وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ورواية عن الإمام أحمد - أن العقد يصح بشرطين:
الأول:أن يكون المال الربوي المفرد أكثر من الذي معه غيره .
والثاني: ألا يكون القصد من المعاملة التحايل على الربا وذلك بأن يكون ما مع الربوي له قيمة حقيقية ، ولم يؤت به للتحليل.
وكلا الشرطين متحققٌ في بيع هذه الأسهم ، فإنها تباع بقيمتها السوقية وهي أعلى من القيمة الاسمية التي تم الاكتتاب بها ، كما أن الموجودات الأخرى غير النقدية في الشركة ذات قيمة حقيقية ولم يؤت بها حيلة .
وقد يرد على هذا التخريج أن الأصول العينية للشركة عند بدء التداول لا تمثل شيئًا مقارنة بالنقدية التي فيها .
والجواب عن ذلك: أن المقصود بالموجودات الأخرى غير النقدية أعم من أن يكون أعيانًا فقط ، فقد تكون أعيانًا أو منافع أو حقوقًا ، فكل ما يؤثر في القيمة السوقية للسهم - إذا كان له قيمة معتبرة شرعًا- فتحمل الزيادة في قيمة السهم على أنها مقابله ، ونظير ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم من جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل، ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة ، وهي منفعة وليست عينًا ،والله أعلم.
نسأل الله أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه ، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
(*) الأستاذ المساعد بقسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
(1) المصباح المنير ص 236 ، المفردات في ألفاظ القرآن الكريم ص 819 .
(2) معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء ص 330 .
(3) الحدود لابن عرفه ص 556 .
وخرج بقوله: (( حسًا دون إضافة ) ): ما يمكن الإشارة إليه حسًا من الأعيان كالثوب والدابة ، فإنهما ليسا بمنفعة لإمكان الإشارة إليهما حسًا دون إضافة ، بخلاف ركوب الدابة ولبس الثوب .
وبقوله: (( يمكن استيفاؤه ) )أخرج العلم والقدرة لأنهما لا يمكن استيفاؤهما .
وبقوله: (( غير جزء مما أضيف إليه ) ): أخرج به نفس نصف الدار مشاعًا لأنه يصدق عليه .
(4) الملكية في الشريعة الإسلامية، لعلي الخفيف ص 180 .
(5) الملكية في الشريعة الإسلامية، لعلي الخفيف ص 181 .
(6) يرى أبو حنيفة وصاحباه خلافًا لزفر والجمهور أن المنفعة لا تعتبر مالًا حقيقية ، وإن كان يصح الاعتياض عنها ، وكونها ثمنًا أو مثمنًا ، وترتب على هذا الخلاف مسائل متعددة لا علاقة لها فيما نحن بصدده مثل: ضمان منافع المغصوب ، وإجارة المشاع ، وانتقاض الإجارة بموت أحد العاقدين ، مع أنه ورد في بعض كتب الأحناف ما يشعر بأن المنفعة مال عندهم ، ومن ذلك قول البابرتي ( العنايه 8/7 ) : (( الأعيان والمنافع أموال فجاز أن تقع أجرة ) ).
(7) رد المحتار 9/85 ، جواهر الإكليل 2/150 ، روضة الطالبين 5/177 ، شرح المنتهى 2/140 .
(8) انظر: حاشية الدسوقي 3/14 ، نهاية المحتاج 3/372 ، شرح المنتهى 2/140 .
(9) قواعد ابن رجب ص 84 .
(10) انظر: الشركات للخياط 2/214 .
(11) معجم مصطلحات الاقتصاد والمال وإدارة الأعمال ص 498 .
(12) المراد بالتسييل: سهولة تحويلها إلى نقود ( سيولة ) .
(13) ينظر: الوجيز في النظام التجاري السعودي ص200 .
(14) (( الاستثمار في الأسهم والوحدات والصناديق الاستثماريه ) )ص 37 ، أسواق الأوراق الماليه ص 266 .
(15) من أنصار هذا القول: أبو زهرة ، وعبد الرحمن حسن ، وخلاف ، والقرضاوي ، والشيخ جاد الحق شيخ
الأزهر سابقًا ، انظر: فقه الزكاة 1/527 ، بحوث في الزكاة ص 183 ، أسواق الأوراق الماليه ص 318 .
(16) الفتاوى الاقتصادية ص 15 ، صناديق الاستثمار الإسلامية ص 48 ، مناقشات مجلس مجمع الفقه الإسلامي
حول سندات المقارضة ، مجلة المجمع 4/3/ ( 2045 - 2060) ، وهذا القول لازم لجميع الهيئات الشرعية التي أجازت تداول أسهم بنوكها بالقيمة السوقيه .