وبتطبيق ذلك على العقد هنا يلزم الفساد لأن العقد يتردد بين أمرين: إما العلم بالتفاضل أو الجهل بالتماثل ، وكلاهما مفسد للعقد ، لأنه يجوز أن تكون قيمة المد الذي مع الدرهم أقل أو أكثر أو يكون درهمًا لا أقل ولا أكثر ، فإن كان أقل أو أكثر كان التفاضل معلومًا ، وإن كان درهمًا كان التماثل مجهولًا ، لأن التقويم ظن وتخمين والجهل بالتماثل - في باب الربا -كالعلم بالتفاضل ، ولذلك لم يجز بيع صبرة بصبرة بالظن والخرصِ (56) .
نوقش هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:
الأول: أن انقسام الثمن بالقيمة لغير حاجة لا دليل عليه (57) .
الثاني: (( أن مطلق المقابلة تحتمل مقابلة الجنس بالجنس على سبيل الشيوع من حيث القيمة كما قلتم ، وتحتمل مقابلة الجنس بخلاف الجنس .. إلا أنا لو حملناه على الأول لفسد العقد ، ولو حملناه على الثاني لصح ، فالحمل على ما فيه الصحة أولى ) ) (58) .
الثالث: وعلى فرض التسليم بأن التماثل مبني على الظن ، فإن بيع الربوي بالربوي على سبيل التحري والخرص جائز عند الحاجة ، إذا تعذر الكيل أو الوزن ، كما يقول ذلك مالك والشافعي وأحمد في بيع العرايا بخرصها (59) .
الدليل الرابع:
أن هذا العقد ممنوع سدًا لذريعة الربا ، فإن اتخاذ ذلك حيلة على الربا الصريح وارد ، كبيع مائة درهم في كيس بمائتين جعلًا للمائة في مقابلة الكيس ، وقد لا يساوي درهمًا (60) .
القول الثاني:
الجواز إذا كان ما مع الربوي تابعًا .
فيجوز بيع الفضة التي لم يقصد غشها بالخالصة مثلًا بمثل .
وهو رواية في مذهب الإمام أحمد (61) .
، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميه في أحد قوليه (62) .استدل أصحاب هذا القول:
بقوله عليه الصلاة والسلام: (( من ابتاع عبدًا له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع ) ).
ووجه الدلالة منه: أن الحديث دل على جواز بيع العبد بماله إذا كان قصد المشتري للعبد لا للمال ، فيجوز البيع سواء كان المال معلومًا أو مجهولًا ، من جنس الثمن أو من غيره ، عينًا كان أو دينًا ، وسواء كان مثل الثمن أو أقل أو أكثر (63) .
ويقاس عليه إذا كان الذي مع الربوي تابعًا غير مقصود (64) .
ويناقش:
بأن الربوي في مسألة مد عجوة ودرهم مقصود بالعقد ، أما المال الذي مع العبد فالمقتضي لجواز بيعه بثمن من جنسه كونه تابعًا غير مقصود بالأصالة ، ولا يصح قياس إحدى المسألتين على الأخرى لأمرين:
الأول: أن الربوي إذا كان تابعًا غير مقصود لا يتصور كون العقد حيلة على الربا ، بخلاف ما إذا كان غير الربوي هو التابع .
الثاني: أنه إذا بيع الربوي بما يساويه من جنسه ومع أحدهما جنس آخر غير مقصود ، فإن ذلك يؤدي إلى التفاضل ، لأن غير الربوي له قسط ولو يسيرًا من قيمة العوض المفرد .
القول الثالث:
جواز بيع الربوي بجنسه ومعه من غير جنسه بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره ، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسهما .
وهذا مذهب الأحناف (65) .، ورواية عن الإمام أحمد ، اختارها شيخ الإسلام ابن تيميه في أشهر قوليه (66) ، وقيد الإمام أحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية الجواز بقيدٍ آخر وهو ألا يكون القصد من هذه المعاملة التحايل على الربا ، وذلك بأن يكون لما مع الربوي قيمة حقيقية (67) .
وجوز الشافعية في وجه ضعيف عندهم: إذا باع مدًا ودرهمًا بمد ودرهم ، والدرهمان من ضرب واحد ، والمدان من شجرة واحدة فإنه يصح (68) .
فعلى هذا القول: من باع سيفًا محلى بثمن أكثر من الحلية ، وكان الثمن من جنس الحلية جاز وذلك لمقابلة الحلية بمثلها ذهبًا كانت أم فضة ، والزيادة بالنصل والحمائل والجفن (69) .
فإن تساوى المفرد مع المضموم إليه غيره ، أو كان المفرد أقل بطل البيع ، لتحقق التفاضل ، وكذا إذا لم يدر الحال لاحتمال المفاضلة أو الربا .
قال في الهداية: (( ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبًا بذهب ، وأحدهما أقل ، ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهية ، وإن لم تبلغ فمع الكراهة ، وإن لم يكن له قيمة كالتراب لا يجوز البيع ) ) (70) .
فإن تساوى المفرد مع المضموم إليه غيره ، أو كان المفرد أقل بطل البيع ، لتحقق التفاضل ، وكذا إذا لم يدر الحال لاحتمال المفاضلة أو الربا .
قال في الهداية: (( ولو تبايعا فضة بفضة أو ذهبًا بذهب ، وأحدهما أقل ، ومع أقلهما شيء آخر تبلغ قيمته باقي الفضة جاز البيع من غير كراهية ، وإن لم تبلغ فمع الكراهة ، وإن لم يكن له قيمة كالتراب لا يجوز البيع ) ) (71) .
نوقش هذا الاستدلال من وجهين:
الأول: أن الواجب حمل العقد على ما يقتضيه من صحة وفساد ، وليس تصحيح العقد ، ولو كان ما قالوه أصلًا معتبرًا لكان بيع مد تمر بمدين جائزًا ليكون تمر كل واحد منهما بنوى لآخر (72) .
الثاني: أن هذا منتقض (( بمن باع سلعة إلى أجل ثم اشتراها نقدًا بأقل من الثمن الأول فإنه لا يجوز عند الأحناف مع إمكان حمله على الصحة ، وهما عقدان يجوز كل واحد منهما على الإفراد ، فجعلوا العقد الواحد هاهنا عقدين ليحملوه على الصحة فكان هذا إفسادًا لقولهم ) ) (73) .
الدليل الثاني:
أن الربا إنما حرم لما فيه من ظلم يضر المعطي ، وقد يكون في هذه المعاوضة مصلحة للعاقدين هما محتاجان إليها ، كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة ، والمنع من ذلك مضرة عليهما ، والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة ، ويوجب المضرة المرجوحة ، كما قد عرف ذلك من أصول الشرع (74) .
الترجيح:
باستعراض الأقوال المتقدمة وأدلتها نجد أن الفريق الثالث يستند إلى البراءة الأصلية بينما استدل الفريقان الأول والثاني على المنع بأدلة لا تخلو من مناقشة:
فحديث فضالة بن عبيد - وهو عمدة المانعين - لا يسلم الاستدلال به للاحتمالات الواردة عليه ، وهي احتمالات قوية ، والقاعدة أن الدليل إذا طرأ عليه الاحتمال ، وكان الاحتمال قويًا ، بطل به الاستدلال .
وأجوبة الفريق الأول عن هذه الاحتمالات غير وجيهة لأن الثابت في صحيح مسلم أن الذهب الذي في القلادة أكثر من الثمن .
وأما الدليل العقلي فقد أجيب عنه .
ويبقى كون العقد ذريعة إلى الربا ، وهو دليل متوجه وقوي ، لكن ينبغي حمله على ما إذا تضمن العقد تحايلًا على الربا ، فيحرم لذلك ، أما إذا لم يكن حيلة للربا بأن كان ما مع الربوي مقصودًا فعلًا للعاقد فلا يظهر المنع ، لا سيما وأن هذه المعاملة قد يحتاج إليها العاقدان ، ولا يتمكنان من إجراء العقد على سبيل التفضيل بأن يقول: بعتك مدًا بمد ، ودرهمًا بمد ، وهي الصورة التي يجيزها الفريق الأول (75) .
وأقرب شاهد على ذلك العقد الذي نحن بصدده ، وهو بيع الأسهم التي موجوداتها مختلطة ، فمن الصعوبة بمكان أن يلزم العاقدان بالتفصيل على النحو السابق .
ولذلك فإن الذي يترجح هو جواز هذه المعاملة إذا لم تكن حيلة على الربا وكان الربوي المخلوط أقل من الربوي المفرد ، وذلك بأن يكون ما مع الربوي له قيمة حقيقية ، ولم يؤت به للتحليل ، والله أعلم .
وتطبيقًا للأحكام السابقة:
فعلى فرض صحة القول الثاني وهو أن بيع الأسهم له حكم بيع موجوداتها:
1.فإن بيع الأسهم إذا كانت موجوداتها مختلطة من نقود وغيرها وكانت تلك النقود مقصودة لذاتها فالبيع لا يصح عند الجمهور إلا إذابيعت بعملة غير عملة الأسهم فيصح عند الجميع سوى المالكية .
وأما على القول الراجح فيصح البيع بنفس العملة بشرطين:
الأول: أن يكون الثمن الذي يشترى به السهم أكثر من قيمة موجوداته من النقود والديون .