وَقَدْ أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ خُبَيْبَ بْنَ عُدَيٍّ ، فَلَمْ يُعْطِ التَّقِيَّةَ حَتَّى قُتِلَ ، فَكَانَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلَ مِنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ حِينَ أَعْطَى التَّقِيَّةَ ، وَأَظْهَرَ الْكُفْرَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: {كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ ؟ قَالَ: مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِنْ عَادُوا فَعُدْ} وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّرْخِيصِ.
وَرُوِيَ {أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ أَخَذَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ فَخَلَّاهُ ، ثُمَّ دَعَا بِالْآخَرِ وَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: إنِّي أَصَمُّ ، قَالَهَا ثَلَاثًا ؛ فَضَرَبَ عُنُقَهُ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَيَقِينِهِ ، وَأَخَذَ بِفَضِيلَةٍ فَهَنِيئًا لَهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ} .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إعْطَاءَ التَّقِيَّةِ رُخْصَةٌ ، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ إظْهَارِهَا.