فإذا كان هناك إنسان لم يفطن أبدا لمسألة إيلاج الليل فِي النهار أو إخراج الحي من الميت ، فإنه لا بد أن يلتفت إلى رزقه ، فكل واحد منا يتصل برزقه قهرا عنه ، ولذلك جاء الحق سبحانه بهذا الأمر الواضح: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} وساعة تسمع كلمة"حساب"فإنك تعرف أن الحساب هو كما قلنا سابقا: يبين لك مالك وما عليك.
وعندما نتأمل قول الحق: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} . فإننا نعلم أن"الحساب"يقتضي"محاسبا"- بكسر السين ويقتضي"محاسبا"- بفتح السين ويقتضي"محاسبا عليه"، إن الحساب يقتضي تلك العناصر السابقة. فعندما يقول الحق: {وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} فلنا أن نقول: ممن ؟ ولمن ؟ من أين يأتي الرزق ؟ وإلى أين ؟ إنه يأتي من الله ، ويذهب إلى ما يقدره الله لأن الله هو الرزّاق ، وهو الحق وحده ، وهو الذي لا يستطيع ولا يجرؤ أحد على حسابه ، فهو سبحانه الذي يحاسبنا جميعا ، لا شريك له ، وهو الفعال لما يريد.
إن الحساب يجريه الله على الناس ، وهو سبحانه لا يعطي الناس فقط على قدر حركتهم فِي الوجود ، بل يرزقهم أحيانا بما هو فوق حركتهم. وقد يرزقك الله من شيء لم يكن محسوبا عندك ؛ لأن معنى الحساب هو ذلك الأمر التقديري الذي يخطط له الإنسان ، كالفلاح الذي يحسب عندما يزرع الفدان ويتوقع منه نتاجا يساوي كذا إردبا أو قنطارا ، أو الصانع الذي يقدر لنفسه دخلا محددا من صنعته. هذا هو الحساب ، لكن الإنسان قد يلتفت فيجد أن عطاء الله له من غير حساب. وقد يحسب الإنسان مرة ولا يأتي له الرزق.
مثال ذلك: قالوا: إن دولة أعلنت أنها زرعت قمحا يكفي الدنيا كلها ، ولكن عندما نضج المحصول هبت عاصفة أهلكت الزرع ، وأكلت هذه الدولة قمحها من الخارج. فمن قالوا عن أنفسهم: إنهم سيطعمون الناس أطعمهم الناس.