إذن فقول الله: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ} هو لفت للانتباه البشرى إلى أن الليل والنهار لا يفصل بينهما حد قاطع بنسبة متساوية لكل منهما ، لا ، إنه الحق بقدرته يدخل الليل فِي النهار ، ويدخل النهار فِي الليل. إن معنى"تُولج"هو"تُدخل"، ومثال ذلك أن يؤذن المؤذن لصلاة المغرب فِي يوم ما عند الساعة الخامسة ، ويؤذن المؤذن لصلاة المغرب فِي أيام أخرى فِي الساعة السابعة. إن ذلك لا يحدث فجأة ، ولا يقفز المغرب من الخامسة إلى السابعة ، إنما يحدث ذلك بانسيابية ، ورتابة. ومن ذلك نتلقى الدرس والمثل.
إنك أيها العبد إن رأيت ملكا قائما على حضارة مؤصلة ، فاعلم أن هناك عوامل دقيقة لا تراها بالعين تنخر فِي هذا الملك إلى أن يأتي يوم ينتهي فيه هذا الملك. وهكذا تنهار الحضارات بعد أن تبلغ أوج الارتقاءات ، ويصل الناس فيها إلى استعدادات ضخمة وإمكانات هائلة ، وذلك لأن عوامل الانهيار تنخر داخل هذه الحضارات.
إن الحق بلفتنا إلى جلال قدرته وعظمة دقة صنعه ، بمثل الليل والنهار: {تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ} . ثم يأتي لنا الحق الأعلى بمثل آخر ، فيقول: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} ، إنها القدرة المطلقة بدون أسباب.