إن الله إنما أنزل القرآن ليعلم ويفهم ويفقه ويتدبر ويتفكر به محكمه ومتشابه ، وإن لم يعلم تأويله ، ويبين ذلك أن الله يقول عن الكفار: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً} [الإسراء: 45 - 46] . فقد أخبر فقد أخبر ، ذماً للمشركين ، أنه إذا قرئ عليهم القرآن حجب بين أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور ، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً . فلو كان أهل العلم والإيمان على قلوبهم أكنة أن يفقهوا بعضه لشاركوهم فِي ذلك . وقوله: {أَن يَفْقَهُوهُ} يعود إلى القرآن كله . فعلم أن الله يحب أن يفقه ، ولهذا قال الحسن البصري: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فِي ماذا أنزلت وماذا عنى بها . وما استثنى من ذلك لا متشابهاً ولا غيره . وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات ، أقفه عند كل آية وأسأله عنها . فهذا ابن عباس حبر الأمة ، وهو أحد من كان يقول: لا يعلم تأويله إلا الله ، يجيب مجاهداً عن كل آية فِي القرآن ، وهذا هو الذي جعل مجاهداً ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عن قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل ، لأن مجاهد تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله وبيان معانيه . فظن أن هذا هو التأويل المنفي عن غير الله . وأصل ذلك أن لفظ التأويل ، وبه أشير إلى بين ما عناه الله فِي القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف ، وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين ، فبسبب الاشتراك فِي لفظ التأويل اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور فِي القرآن .
ومجاهد إمام التفسير ، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به .