{بِيَدِكَ الخير} جملة مستأنفة، وأجراها بعضهم على طرز ما قبلها، وتعريف الخير للتعميم وتقديم الخبر للتخصيص أي: بيدك التي لا يكتنه كنهما، وبقدرتك التي لا يقدر قدرها الخير كله تتصرف به أنت وحدك حسب مشيئتك لا يتصرف به أحد غيرك ولا يملكه أحد سواك، وإنما خص الخير بالذكر تعليماً لمراعاة الأدب وإلا فذكر الإعزاز والإذلال يدل على أن الخير والشر كلاهما بيده سبحانه، وكذا قوله تعالى المسوق لتعليل ما سبق وتحقيقه {إِنَّكَ على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} فلا يبعد أن تكون الآية من باب الاكتفاء، وقيل: إنما اقتصر عليه لما أن سبب نزول الآية ما آتى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم من البشارة بالفتوح وترادف الخيرات، وقيل: لما أن الأشياء باعتبار الشر وعدمه تنقسم إلى خمسة أقسام.
الأول: ما لا شر فيه أصلاً.
والثاني: ما يغلب خيره على شره.
والثالث: ما يكون شراً محضاً.
والرابع: ما يكون شره غالباً على خيره.
والخامس: ما يتساوى الخير والشر فيه، والموجود من هذه الأقسام فِي العالم القسم الأول والثاني والشر الذي فيه غير مقصود بالذات بل إنما قضاه الله تعالى لحكمة بالغة وهو وسيلة إلى خير أعظم وأعم نفعاً؛ والشر اليسير متى كان وسيلة إلى الخير الكثير كان ارتكابه مصلحة تقتضيها الحكمة ولا يأباها الكرم المطلق، ألا ترى أن الفصد والحجامة وشرب الدواء الكريه وقطع السلعة ونحوها من الأمور المؤلمة لكونه وسيلة إلى حصول الصحة بحسن ارتكابه فِي مقتضى الحكمة ويعد خيراً لا شراً وصحة لا مرضاً وكل قضاء الله تعالى بما نراه شراً من هذا القبيل، ولهذا ورد فِي الحديث"لا تتهم الله تعالى على نفسك"وورد"لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين"وجاء"لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك العجب العجب"ومن هنا قيل: يا من إفساده صلاح فما قدر من المفاسد لتضمنه المصالح العظيمة اغتفر ذلك القدر اليسير فِي جنبها لكونه