ويجوز أن يريد بـ (العِلْم) : بيان ما جاء في التوراة من نعت محمد - صلى الله عليه وسلم -
وصفته، وبيان ما جاء في شأنه.
يعني: أنهم ما اختلفوا إلَّا بعد صحة علمهم بنبوَّتِه، وإذا كان الاختلاف بعد العِلْم، كان ذلك أبلغ في الكفر والعناد، ودليل هذا التأويل قوله في سورة البقرة: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [البقرة: 213] .
وقوله تعالى: {بَغْيًا بَيْنَهُمْ} معنى البغي: طَلَبٌ للاستعلاء بالظلم. أخبر الله تعالى عن عِلَّةِ اختلافهم، فقال: فعلوا ذلك طلبًا للرئاسة، وحسدًا له على النُبُوَّةِ. فانتصب {بَغْيًا} في قول الأخفش على تقدير: {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} .
وقال الزجَّاج: والذي هو الأجود؛ أن يكون {بَغْيًا} منصوبًا بما دلَّ عليه: {وَمَا اخْتَلَفَ} . فيكون المعنى: اختلفوا بغيًا بينهم.
قال أبو علي: وجهُ قولِ الأخفش: أنَّ {بَغْيًا} انتصب على أنه مفعول له؛ أي: للبغي؛ كقولك: (جئتُ مَخافةَ الشرِّ، وابتغاءَ الخير) . قال:
وأَغْفِرُ عَوْراءَ الكريمِ ادِّخارَهُ
ووجه قول الزجَّاج: أنَّه انتصب على المصدر؛ كأنه لمَّا قيل: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} دلَّ على: (وما بغى الذين أوتوا الكتاب) . فحُمِلَت {بَغْيًا} عليه. فإن قيل: ما الفصل بين ما ينتصب على المصدرة نحو: {صُنْعَ الله} ، وما ينتصب على أنَّه مفعول له؛ نحو: (ادِّخاره) ، وبابه؟
فالقول: إنَّ الجميع وإن كانا يجتمعان في أنهما ينتصبان عن تمام الكلام؛ فالمفعول له؛ معناه: الإخبارُ بالغرض الذي من أجله فُعِل الفعلُ، والسبب له. والعامل فيه؛ هو هذا الفعل الظاهر.
وأما المصدر: فالنحويون يُسَّمونه مفعولًا مطلقًا؛ لأن الفاعل أحدثه.
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} . هذا شرطٌ وجوابُ، يتضمن وعيدًا لليهود الذين كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - . وذكرنا معنى {سَرِيعُ الْحِسَابِ} في سورة البقرة.