ثم من الإسلام ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] ؛ أي: انقدنا؛ من خوف السيف.
ومنه، ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: {قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فهذا معنى الإسلام.
وذكر ابن الأنباري في المسلم قولًا آخر، وهو: أنَّ المسلم معناه: المُخْلِصُ لله العبادة. من قولهم: (سَلَّمَ الشيء َ لفلان) ؛ أي: خلَّصه له، و (سَلِمَ له الشيء ُ) ؛ أي: خَلصَ له.
فعلى هذا الإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى، وهو التبريء عن الشرك.
وأصله أيضًا من السلامة؛ لأنه يعود إلى أن يُسْلِم دينَه لله، حتى يكون له سالمًا من غير شريك.
وقوله تعالى: {وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} .
معنى الاختلاف في اللغة، هو: ذهابُ أحدِ النَفسَيْنِ إلى نقيض ما ذهب إليه الآخر.
والاختلاف في الأجناس: امتناعُ أحدِ الشيئين أن يَسُدَّ مَسَدَّ الآخر.
وأراد بـ {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} : اليهود. قال ابن عباس: يعني: قريظة والنضير وأتباعهم. يقول: لم يختلف اليهود في صدق نبوَّةِ محمد - صلى الله عليه وسلم - لما كانوا يجدونه في كتابهم من نعته وصفته.
{إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ} قال ابن عباس: يريد: النبي - صلى الله عليه وسلم - . وعلى هذا؛ سَمَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - (العِلْمَ) ، وهو يريد المعلوم. والمصدر يقع على المفعول كثيرًا.
والمعنى: أنهم كانوا يصدقونه بنعته وصفته قبل بعثه، فلما جاءهم اختلفوا فآمن به بعضُهم، وكفر به الآخرون، فقالوا: لست الذي وُعِدْناهُ، كقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة: 89] .