5 -ثم فصل ما نزل بكل أمة من العذاب، فقال:
1 - {فَأَمَّا ثَمُودُ} وكانوا عربًا، منازلهم بالحجر بين الشام والحجاز يراها حجاج الشام ذهابًا وإيابًا. {فَأُهْلِكُوا} ؛ أي: أهلكهم الله سبحانه لتكذيبهم. فأخبر عن الفعل؛ لأنه المراد دون الفاعل؛ لأنه معلوم.
وقرأ الجمهور {فَأُهْلِكُوا} رباعيًا مبنيًا للمفعول. وقرأ زيد بن عليّ {فهلكوا} ثلاثيًا مبنيًا للفاعل، ذكره في البحر. {بِالطَّاغِيَةِ} ؛ أي: بالصيحة التي جاوزت عن حد سائر الصيحات في الشدّة، فرجفت منها الأرض والقلوب، وتزلزلت. فاندفع ما يقال من التعارض بين قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} ، وبين قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ} والقصة واحدة.
2 -6 {وَأَمَّا عَادٌ} وكانت منازلهم بالأحقاف، وهي الرمل بين عمان إلى حضرموت واليمن، وكانوا عربًا أيضًا ذوي بسطة في الخلق، وكان أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستين، وأوسطهم ما بين ذلك. وكان رأس الرجل منهم كالقبة يفرخ في عينيه ومنخره السباع. وتأخيره عن ثمود مع تقدّمهم زمانًا من قبيل الترقّي من الضالّ الشديد إلى الأضلّ الأشدّ. {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ} هي الدبور لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" {صَرْصَرٍ} ؛ أي: شديدة الصوت، لها صرصرة في هبوبها. أو شديدة البرد تحرق ببردها النبات والحرث، فإن الصر بالكسر: شدة البرد. ولم يقل: صرصرة كما قال: {عَاتِيَةٍ} مع أن الريح مؤنثة؛ لأن الصرصر وصف مختص بالريح، فأشبه باب: حائض وطامث وحامل، بخلاف عاتية فإنها غير الريح من الأسماء المؤنثة يوصف به، ذكره في مشتبه القرآن. {عَاتِيَةٍ} ؛ أي: مجاوزة للحد في شدّة العصيان؛ كأنها عتت على خزانها، فلم يتمكنوا من ضبطها. والرياح مسخرة لميكائيل تهب بإذنه وتنقطع بإذنه، وله أعوان كأعوان ملك الموت.
روي: أنه ما يخرج من الريح شيء إلا بقدر معلوم، ولما اشتد غضب الله على قوم عاد أصابتهم ريح خارجة عن ضبط الخزّان، ولذلك سمّيت {عَاتِيَةٍ} . أو المعنى: {عَاتِيَةٍ} على عاد فلم يقدروا على ردّها بحيلة من استتار ببناء أو لياذ بجبل أو اختفاء في حفرة، فإنها كانت تنزعهم من مكانهم وتهلكهم.