أو أضاف إليهم؛ لأنه قدر كونهم من آبائهم؛ فكانوا حملوا تقديرًا، وهو كقوله: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ) ، ومعناه: أنزلنا عليكم ما قدرنا كون اللباس منه، وهو المطر، فإذا أنزل المطر الذي قدر كون اللباس منه، فكأنه أنزل اللباس، وقال - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) ، ونحن لم نخلق من التراب، ولكن لما قدر خلقنا من التراب الذي أصلنا منه فكأنا خلقنا منه؛ فعلى ذلك وإن لم نكن محمولين في السفينة، فقد حمل أصلنا؛ لنكون نحن من ذلك الأصل، فكأنا قد حملنا فيها؛ إذ كنا في إرادة اللَّه - تعالى - من الكائنين، واللَّه أعلم.
أو ذكر ذلك منّة منه على الأبناء بصنيعه بالآباء؛ ليعلم أن على الأبناء شكر ما أحسن إلى آبائهم وأجدادهم، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ - (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(12)
فوجه التذكرة فيه: أن أهل مكة أبوا إجابة الرسول، وقالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ، فذكرهم أنهم، أولاد من حملوا مع نوح - عليه السلام - في السفينة، وهم إنما استوجبوا النجاة، وشرفوا في الدارين جميعًا باتباعهم الرسل، فما لكم لا تتبعونهم في تصديق الرسل دون أن تتبعوا المكذبين للرسل، أو يذكرهم كذبهم في قولهم: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) ، بل قد وجدتم آباءكم على خلاف ما أنتم عليه، وقد تعلمون أن آباءكم هم الذين اتبعوا نوحًا فنجوا، وهم المؤمنون دون الكفرة.
ووجه آخر: أنه ذكرهم أحوال المكذبين، وإلى ماذا آل أمرهم من الغرق والهلاك؛ فيكون فيه تخويف من كذب من أهل مكة رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ فصارت تلك الجارية وهي السفينة موعظة وتذكرة تذكرهم عواقب المصدقين بالرسل والمكذبين لهم.