قوله تعالى: {حَمَلْنَاكُمْ}
أي: في ظهور آبائكم {فِي الْجَارِيَةِ} أي: السفينة التي جعلناها بحكمتنا عريقة في الجريان حتى كأنه لا جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا من شأنه الإغراق، والمحمول في الجارية إنما هو نوح عليه السلام وأولاده وكل من على وجه الأرض من نسل أولئك، والجارية من أسماء السفينة ومنه قوله تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ}
وغلب استعمال الجارية في السفينة كقولهم في بعض الألغاز:
رأيت جارية في بطن جارية... في بطنها رجل في بطنها جمل
ونوح عليه السلام أول من صنع السفينة، وإنما صنعها بوحي من الله تعالى وبحفظه له قال: اجعلها كهيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقارباً لما يجري في الهواء وأغرقنا سوى من كان في تلك السفينة من جميع أهل الأرض من آدمي وغيره.
قوله تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) }
{أُذُن} أي: عظيمة النفع {وَاعِيَةٌ} أي: من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال والأفعال الإلهية والأسرار الربانية لنفع عباد الله تعالى كما كان نوح عليه السلام ومن معه وهم قليل سبباً لإدامة النسل والبركة فيه حتى امتلأت منه الأرض، والوعي: الحفظ في النفس، والإيعاء: الحفظ في الوعاء.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: أذن واعية على التوحيد والتنكير؟
قلت: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت عقلت عن الله تعالى فهو السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالى بهم بالة وإن ملؤوا ما بين الخافقين اهـ.
قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ}
وبنى الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه وأن ما يتأثر عنه لا يتوقف على نافخ معين بل من أقامه لذلك من جنده تأثر عنه ما يريده {فِي الصُّوَرِ} أي: القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام.