وكان جوابهم جواب المتحسر المتندم ، فابتدأوا الجواب دفعة بحرف بلى المفيد نقيض النفي في الاستفهام ، فهو مفيد معنى: جاءنا نذير.
ولذلك كان قولهم: {قد جاءنا نذير} موكداً لما دلت عليه {بلى} ، وهو من تكرير الكلام عند التحسر ، مع زيادة التحقيق بـ {قد} ، وذلك التأكيد هو مناط الندامة والاعتراف بالخطأ.
وجملة: {إن أنتم إلاَّ في ضلال كبير} الأظهر أنها بقية كلام خزنة جهنم فصل بينها وبين ما سبقها من كلامهم اعتراضُ جواببِ الفوج الموجه إليهم الاستفهام التوبيخي كما ذكرناه آنفاً ، ويؤيد هذا إعادة فعل القول في حكاية بقية كلام الفوج في قوله تعالى: {وقَالوا لو كنا نسمع} [الملك: 10] الخ لانقطاعه بالاعتراض الواقع خلال حكايته.
ويجوز أن تكون جملة {إن أنتم إلا في ضلال كبير} من تمام كلام كل فوج لنذيرهم.
وأتي بضمير جمع المخاطبين مع أن لكل قوم رسولاً واحداً في الغالب باستثناء موسى وهارون وباستثناء رسل أصحاب القرية المذكورة في سورة يس ؛ إما على اعتبار الحكاية بالمعنى بأن جُمع كلام جميع الأفواج في عبارة واحدة فجيء بضمير الجمع والمراد التوزيع على الأفواج ، أي قال جميع الأفواج: {بلى قد جاءنا نذير} إلى قوله: {إن أنتم إلا في ضلال كبير} ، على طريقة المثال المشهور:"ركِب القوم دوابهم"، وإما على إرادة شمول الضمير للنذير وأتباعِه الذين يؤمنون بما جاء به.
وعموم {شيء} في قوله: {ما نزَّل الله من شيء} المرادِ منه شيء من التنزيل ، يدل على أنهم كانوا يحيلون أن يُنزل الله وحياً على بشر ، وهذه شنشنة أهل الكفر قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} وقد تقدم في آخر [الأنعام: 91] .
ووصف الضلال بـ {كبير} معناه شديد بالغ غاية ما يبلغ إليه جنسه حتى كأنه جسم كبير.