قوله: {مَآ أَمَرَهُمْ} يجوز أَنْ تكونَ"ما"بمعنى الذي ، والعائدُ محذوفٌ أي ما أَمَرَهموه ، والأصلُ: به . لا يُقال: كيف حَذَفَ العائدَ المجرورَ ولم يَجُرَّ الموصولَ بمثله؟ لأنه يَطَّردُ حَذْفُ هذا الحرفِ فلم يُحْذَفْ إلاَّ منصوباً ، وأن تكونَ مصدريةً ، ويكونَ مَحَلُّها بدلاً من اسمِ الله بدلَ اشتمالٍ ، كأنه قيل: لا يَعْصُون أَمْرَه .
وقوله: {وَيَفْعَلُونَ} قال الزمخشري:"فإنْ قلتَ: أليسَتْ الجملتان في معنى واحدٍ؟ قلت: لا ؛ لأن الأولى معناها: أنهم يتقبَّلون أوامرَه ويلتزمونها ، والثانيةَ معناها: أنهم يُؤَدُّون ما يؤمرون به ، لا يتثاقلون عنه ولا يَتَوانَوْن فيه".
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)
قوله: {نَّصُوحاً} : قرأ الجمهور بفتحِ النونِ ، وهي صيغةُ مبالغةٍ ، أسند النصحَ إليها مجازاً ، وهي مِنْ نَصَح الثوبَ أي: خاطه ، وكأنَّ التائبَ يُرَقِّع ما خرقه بالمعصية . وقيل: مِنْ قولِهم:"عسلٌ ناصِح"أي خالص . وأبو بكر بضم النون وهو مصدرٌ ل نَصَحَ يقال: نَصَحَ نُصْحاً ونُصوحاً نحو: كَفَرَ كُفْراً وكُفوراً ، وشَكَر شُكراً وشُكوراً . وفي انتصابِه أوجهٌ ، أحدُها: أنه مفعولٌ له أي: لأجلِ النصحِ الحاصلِ نفعُه عليكم . والثاني: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لفعلٍ محذوفٍ أي: ينصحُهم نُصْحاً . الثالث: أنه صفةٌ لها: إمَّا على المبالغةِ على أنها نفسُ المصدرِ أو على حَذْفِ مضافٍ أي ذاتَ نَصوحٍ .