[البقرة: 30] وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة وهذا فِي البشر أكمل ولهذا قال عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه تعالى:"لأنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين"الحجة الثالثة: الروحانيات مبرأة عن طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها التي فِي أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام:"إني لأستغفر الله فِي اليوم والليلة مائة مرة وما أدري ما يفعل بي ولا بكم" {مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان} [الشورى: 52] ولا شك أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة.
الاعتراض: لا نسلم أنها بالفعل التام فلعلها بالقوة فِي بعض الأمور ، ولهذا قيل إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعقلات من القوة إلى الفعل وهذه التحريكات بالنسبة إليها كالتحريكات العارضة للأرواح الحاملة لقوى الفكر والتخيل عند محاولة استخراج التعقلات التي هي بالقوة إلى الفعل.
الحجة الرابعة: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن طبيعة التغير والقوة والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك.
الاعتراض: المقدمتان ممنوعتان أليس أن الروحانيات ممكنة الوجود لذواتها واجبة الوجود بمادتها فهي محدثة سلمنا ذلك ، فلا نسلم أن الأرواح البشرية حادثة ، بل هي عند بعضهم أزلية وهؤلاء قالوا: هذه الأرواح كانت سرمدية موجودة كالأظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم إلا أن المبدئ الأول أمرها حتى نزلت إلى عالم الأجسام وسكنات المواد ، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها.
واستحكم إلفها بها فبعث من تلك الأظلال أكملها وأشرفها إلى هذا العالم ليحتال فِي تخليص تلك الأرواح عن تلك السكنات وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة فِي"كتاب كليلة ودمنة".