الحجة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين} [الانفطار: 10] وهذا عام فِي حق جميع المكلفين من بني آدم فدخل فيه الأنبياء وغيرهم وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين: الأول: أنه تعالى جعلهم حفظة لبني آدم والحافظ للمكلف من المعصية لا بدّ وأن يكون أبعد عن الخطأ والزلل من المحفوظ ، وذلك يقتضي كونهم أبعد من المعاصي وأقرب إلى الطاعات من البشر وذلك يقتضي مزيد الفضل ، والثاني: أنه سبحانه وتعالى جعل كتابتهم حجة للبشر فِي الطاعات وعليهم فِي المعاصي ، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر ولو كان البشر أعظم حالاً منهم لكان الأمر بالعكس.
ولقائل أن يقول أما قوله الحافظ يجب أن يكون أكرم من المحفوظ فهذا بعيد فإن الملك قد يوكل بعض عبيده على ولده ولا يلزم أن يكون الحافظ أشرف من المحفوظ هناك ، أما قوله: جعل شهادتهم النافذة على البشر فضعيف ، لأن الشاهد قد يكون أدون حالاً من المشهود عليه.
الحجة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً} [النبأ: 38] والمقصود من ذكر أحوالهم المبالغة فِي شرح عظمة الله تعالى وجلاله ولو كان فِي خلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى فِي الأنباء عن عظمة الله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى فِي هذا المقام ، ثم كما أنه سبحانه بين عظمة ذاته فِي الآخرة بذكر الملائكة فكذا بين عظمته فِي الدنيا بذكر الملائكة وهو قوله: {وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} [الزمر: 75] ولقائل أن يقول: كل ذلك يدل على أنهم أزيد حالاً من البشر فِي بعض الأمور فلم لا يجوز أن تلك الحالة هي قوتهم وشدتهم وبطشهم ، وهذا كما يقال إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك أطراف العالم خاضعين خاشعين فإن عظمة السلطان إنما تشرح بذلك ثم إن هذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده فكذا ههنا.