وَجمع سُبْحَانَهُ بَين الصَّبْر وَالْيَقِين إِذْ هما سَعَادَة العَبْد وفقدهما يفقده سعادته فَإِن الْقلب تطرقه طوارق الشَّهَوَات الْمُخَالفَة لأمر الله وطوارق الشُّبُهَات الْمُخَالفَة لخبره فبالصبر يدْفع الشَّهَوَات وباليقين يدْفع الشُّبُهَات فَإِن الشَّهْوَة والشبهة مضادتان للدّين من كل وَجه فَلَا ينجو من عَذَاب الله إِلَّا من دفع شهواته بِالصبرِ وشبهاته بِالْيَقِينِ وَلِهَذَا أخبر سُبْحَانَهُ عَن حبوط أَعمال أهل الشَّهَوَات والشبهات فَقَالَ تَعَالَى {كَالَّذِين من قبلكُمْ كَانُوا أَشد مِنْكُم قُوَّة وَأكْثر أَمْوَالًا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كَمَا استمتع الَّذين من قبلكُمْ بخلاقهم وخضتم كَالَّذي خَاضُوا} فَهَذَا الِاسْتِمْتَاع بالخلاق هُوَ استمتاعهم بنصيبهم من الشَّهَوَات ثمَّ قَالَ {وخضتم كَالَّذي خَاضُوا} وَهَذَا هُوَ الْخَوْض بِالْبَاطِلِ فِي دين الله وَهُوَ خوض أهل الشُّبُهَات ثمَّ قَالَ {أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأُولَئِكَ هم الخاسرون}
فعلق سُبْحَانَهُ حبوط الْأَعْمَال والخسران بِاتِّبَاع الشَّهَوَات الَّذِي هُوَ الِاسْتِمْتَاع بالخلاق وباتباع الشُّبُهَات الَّذِي هُوَ الْخَوْض بِالْبَاطِلِ
(فصل)
وكما أَنه سُبْحَانَهُ علق الْإِمَامَة فِي الدّين بِالصبرِ وَالْيَقِين فالآية متضمنة لأصلين آخَرين
أَحدهمَا الدعْوَة إِلَى الله وهداية خلقه.
الثَّانِي هدايتهم بِمَا أَمر بِهِ على لِسَان رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا بِمُقْتَضى عُقُولهمْ وآرائهم وسياساتهم وأذواقهم وتقليد أسلافهم بِغَيْر برهَان من الله لِأَنَّهُ قَالَ {يهْدُونَ بأمرنا}
فَهَذِهِ أَرْبَعَة أصُول تضمنتها هَذِه الْآيَة
أَحدهَا الصَّبْر وَهُوَ حبس النَّفس عَن محارم الله وحبسها على فَرَائِضه وحبسها عَن التسخط والشكاية لأقداره
الثَّانِي الْيَقِين وَهُوَ الْإِيمَان الْجَازِم الثَّابِت الَّذِي لَا ريب فِيهِ وَلَا تردد وَلَا شكّ وَلَا شُبْهَة بِخَمْسَة أصُول ذكرهَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْله تَعَالَى {لَيْسَ الْبر أَن توَلّوا وُجُوهكُم قبل الْمشرق وَالْمغْرب وَلَكِن الْبر من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَالْمَلَائِكَة وَالْكتاب والنبيين}
وَفِي قَوْله {وَمن يكفر بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فقد ضل ضلالا بَعيدا}