وقال بعضهم: رأَيت الجنَّة والنار حقيقة ، قيل له: كيف؟ قال: رأَيته بعَيْنَيْ رسولِ الله/ صلَّى الله عليه وسلَّم ، ورؤيتى لهما بعينَيْه أَوثق عندي من روْيتى لهما بعينى ، فإِنَّ بصرى قد يُخْطِئ بخلاف نصره صلَّى الله عليه وسلَّم.
واليَقِينُ يَحمِلُ على مُباشَرَة الأَهوال ورُكوب الأَخطار ، وهو يأْمرُ بالتقدّم دائما ، فإِن لم يقارِنْه العِلْم حَمَل على المعاطِب ، والعلم يأْمرُ بالتأّخُّر دائما وبالإِحِجام ، فإِنْ لم يُصِبْه اليقينُ فقد [يَصُدّ صاحبه] عن المكاسب والغنائم.
وقال الشيخ أَبو إِسماعيل الأَنصاريّ رحمه الله: اليقين مَرْكَبُ الآخِذِ فِي هذا الطَّريق ، وهو غاية درجات العامّة وأَوّل خطوة للخاصة ، لمَّا كان اليقين هو الَّذى يحمل السّائر إِلى الله ، كما قال أَبو سعيد الخرّاز رحمه الله: العلمُ ما اسْتَعْمَلك ، واليَقِينُ ما حَمَلَك وسَمّاهُ مَرْكباً يركبه السائر إِلى الله ، فإِنَّه لولا اليقين ما سار الراكب إِلى الله ، ولا ثَبَتَ لأَحدِ قَدَمٌ فِي السّلوك ؛ وإِنَّما جعله آخِرَ درجات العامّة لأَنَّهم إِليه ينتهون.
ثم حكى قول من قال: إِنَّه أَوّل خطوة للخاصّة ، يعني أَنَّه ليس بمقام له ، وإِنَّما هو مُبْتدَأْ سُلوكه ، وهذا لأَنَّ الخاصّة عنده سائرون إِلى الجَمْع والفَناءِ فِي شهُود الحقيقة ، لا يَقِف لهم دُوَنَها هِمَّة ، فكلُّ ما دُونَها فهو عندهم مِنْ مُشاهَدَة العامّة ومَنازلهم ومَقاماتهم حتَّى المَحَبّة ، وحَسْبُك بجَعْل اليَقِين نهايةً للعامة وبداية لهم.
قال: وهو على ثلاث درجات:
علمُ اليَقِين: وهو ما ظَهَرَ من الحَقِّ ، وقَبُول ما غابَ للحْقّ ، والوُقُوف على ما قام بالحَقّ ، فذكر رحمه الله ثلاثة أَشياء هي مُتَعَلَّق اليقين وأَركانه