وقال الإِمام مالك - رحمه الله -: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وقال الإِمام أحمد - رحمه الله -: أخبار الصفات وأحاديثها وآياتها تمر كما جاءت، بلا تشبيه ولا تعطيل، فلا يقال: كيف ولم؟ نؤمن بأن الله سبحانه على العرش كيف شاء هو، وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحدها حاد، نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله عز وجل. وقال القرطبي: لم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقةً، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته. اهـ.
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن، وإحاطته بالسماوات والأرض وما بينهما وما عليهما، وهو المراد هنا، وقد قدمنا البحث عن هذا المقام بأبسط مما هنا في سورة الأعراف وطه الفرقان.
{مَا لَكُمْ} يا أهل مكة {مِنْ دُونِهِ} تعالى {مِنْ وَلِيٍّ} يلي أموركم وناصر ينصركم بدفع عذابه عنكم {وَلَا} من {شَفِيعٍ} يشفعكم عنده تعالى، فينقذكم من عذابه، إن هو عاقبكم على معصيتكم إياه؛ أي: ليس لكم أيها الناس من يلي أموركم، وينصركم منه إن أراد بكم ضرًا، ولا يشفع لكم عنده إذ هو عاقبكم.
والخلاصة: فإياه فاتخذوه وليًا، وبه وبطاعته فاستعينوا على أموركم، فإنه يَمنعكم ممن أراد بكم سوءًا، ولا يقدر أحد على دفع السوء عنكم إذا هو أراد وقوعه بكم؛ لأنه لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب.
ثم أمرهم بالتذكر والتدبر في الأدلة فقال: {أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} و (الهمزة) فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و {الفاء} : عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تسمعون هذه المواعظ فلا تتذكرون بها، فالإنكار متوجه إلى عدم الاستماع وعدم التذكر، أو تسمعونها فلا تتذكرون بها، فالإنكار متوجه إلى عدم التذكر مع تحقق ما يوجبه من السماع.
والفرق بين التذكر والتفكر: أن التفكر عند فقدان المطلوب لاحتجاب القلب بالصفات النفسانية، وأما التذكر: فهو عند رفع الحجاب والرجوع إلى الفطرة الأولى، فيتذكر ما انطبع في الأزل من التوحيد والمعارف.