وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد ، إنما إذا عادوا إلى أهلهم كرروا هذا الاستهزاء ، وتبجحوا به ، وفرحوا لإيذائهم لأهل التقوى والاستقامة: {وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ} [المطففين: 31 - 33] لكن يُنهي الحق سبحانه هذا الموقف بقوله: {فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ} ثم يسألهم الله {عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} [المطففين: 34 - 36]
فهنا يقول الحق سبحانه: لا تفهموا أن أحداً تأبى عليَّ ، من خَلْقي ، إنما أردتُ لهم الاختيار ، ثم أخبرتهم بما أحبّ أنْ يفعلوه ، فيريد الله أن يعلم علم وقوع بمَنْ آمن به ، وهو يملك ألاَّ يؤمن . وإلا فهو سبحانه عالم أزلاً ؛ ليكون الفعل حجة على أصحابه ، إذن: إياك أنْ تظنَّ أنك باختيارك كسرت قهر العلى .
وسبق أنْ قُلْنا: إن الذين أَلِفوا التمرد على الله إيماناً به ، فكفروا وتمردوا على طاعته فعصوه . . الخ نقول لهم: ما دُمْتم قد تعودتم التمرد على أوامر الله ، فلماذا لا تتمردون على المرض مثلاً أو على الموت؟ إذن: أنت عبد رغم أنفك .
يقول سبحانه هنا: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا . .} [السجدة: 13] أي: لَجعل الناس كالملائكة ، وكالمخلوقات المسيَّرة التي لا اختيار لها ، وسبق أنْ قُلْنا: إن المخلوقات كلها خُيِّرت في حمل الأمانة ، وليس الإنسان وحده ، لكن الفرق أن ابن آدم أخذ الاختيار مُفصَّلاً ، وبقية الخَلْق أخذوا الاختيار جملة ، بدليل قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72]