فقولهم: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا . .} [السجدة: 12] إقرار منهم بأنهم كانوا على خطأ ، وأنهم يرغبون في الرجوع إلى الصواب ، كما قال سبحانه في موضع آخر: {حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون * لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ...} [المؤمنون: 99 - 100] ، وردَّ الله عليه: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} [المؤمنون: 100]
ثم كشف حقيقة أمرهم: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28]
وهنا يقولون: {رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة: 12] وهل يكون اليقين في هذا الموقف؟ اليقين إنما يكون بالأمر الغيبي ، وأنتم الآن في اليقين الحسيِّ المشَاهدَ ، فهو إذن يقين لا يُجدى .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا ...} .
هنا قد يسأل سائل: لماذا جعل الله الناسَ: مؤمناً وكافراً ، وطائعاً وعاصياً؟ لماذا لم يجعلنا جميعاً مهتدين طائعين؟ أهذا صعب على الله سبحانه؟ لا ، ليس صعباً على الله تعالى ، بدليل أنه خلق الملائكة طائعين مُنفِّذين لأوامره سبحانه {لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]
كذلك الأرض والسماء والجبال . . الخ ، كلها تُسبِّح الله وتعبده {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ...} [النور: 41]
وقال: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ...} [الإسراء: 44] ، وبعد ذلك يعطي الله تعالى لبعض خَلْقه معرفة هذا التسبيح ، كما قال في حق داود عليه السلام: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ ...} [الأنبياء: 79]