أقول: في ظل مشهد النشأة الأولى نلمح هذا الفيض من الفضل العظيم الذي أودع كل شيء خصائصه وصفاته ووظائفه واستعداداته. من الذرة إلى أكبر الأجرام، ومن الخلية إلى أعقد الأجسام، يتجلى الإحسان والإنعام. كل شيء في هذا الوجود مزود بخصائص تؤهله لأداء دروه من إنسان أو حيوان أو فَلَك سابح في الكائنات، متقن الصنع، بديع التكوين، باد فيه الإحسان والإتقان، وما منحه من التناسق والكمال. وها نحن نتملَّى آيات الإحسان والإتقان في كل ما نبصر ونسمع ونحس وندرك في رحلتنا على هذا الكوكب من جمال الصانع الحكيم فيما صنع وأباع ومنح.
إن عنصر الإحسان مقصود في هذه الآية ليتضمن (ما وهب ومنح) من إتقان الصنعة وحُسْنِها (فيما صنع وسوَّى وأبدع) فيرقى إلى حد الجمال والكمال: جمال الصورة وكمال التكوين في كل ما خلق مع تناسق الكل في هذا الوجود. تلفتنا الآية في كل ما حواه التضمين من هذه اللطائف إلى الاستمتاع بها ليتتبع القلب اليقظ مواطن الحسن والجمال في هذا الوجود.
ولا يدرك القلب هذا النعيم إلا حين يستيقظ من الإلْفَة، ويبصر بنور اللَّه الأشياء كما أبدعها الصانع، فيحس بالصلة بين المبدع وما أبدع، فيزيد شعوره بجمال ما يرى ويحس. إن هذا الوجود جميل، وإن جماله لا ينفد، هذه الفراشة ... هذه الوردة ... هذه النجمة ... تلك الغيوم ... في هذا الوجود متناسقة لا عوج فيها ولا فطور. يلفتنا كتاب ربنا إليها لنتملاها وهو يقول: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) ليوقظ القلب فيتتبع مواطن الحسن والجمال في هذا الوجود.
إنه التضمين كلما زدته فكراً زادني معنى، أتعرف أسراره ليفتح القلب على لطائفَ من هذه اللغة الشريفة. انتهى انتهى {التضمين النحوي في القرآن الكريم، للدكتور/ محمد نديم فاضل} ...