هذا التدبير لأمر السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من خلائق، لا يعلمها إلا هو، يتضمن: (التنزيل) ، و (التقدير) ، و (التنسيق) ، و (التفصيل) ، و (التصريف) ، و... وما تتسع له العبارة ... ذلك هو اللَّه (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) وهذه صفات أُلوهيته: صفة الخلق، والتدبير، والقدير، والإحسان، والإنعام، والإتقان، و... ولا يُدركُ قلب المؤمن هذه الآفاق إلا حين يستيقظ من ملالة الإلف والعادة، ويبصر بنور اللَّه جمال هذا الوجود وفق ما يريده له مبدعه، ووقتها يحس بالصلة بين المبدع وما أبدع، والمدبر وما صنع.
وللقارئ البصير أن يفهم من السياق بعد ذلك ما يكشف عن كنه العبارة (يُدَبِّرُ) ويتصور المقصود فيما تضمنته من رصيدها الزاخر وإيحائها المتجدد، أوسعْته عيون تطمح فيه لفضلٍ يرجع إليه، ويقضي بتفرده وصمديته.
أجل ... الوقوف على المعنى الحرفي من أسباب القصور في الفهم لأنه يُهمل المعنى الدلالي والذي فيه المعنى الوظيفي والمعنى الاجتماعي و... وهذا موضع متناهٍ في حُسنه، فأبَه له، وحاذِرْ ألا يستطيل نظرك إليه لِتشتفَّ من أنواره.
(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ(7)
ذكر القرطبي: ويجوز أن يكون (خلقه) مفعولا ثانياً لـ أحسن على تضمينه معنى (أعطى) وذكر الآلوسي: وقيل هو مفعول ثان لأحسن على تضمينه معنى أعطى. أعطى سبحانه كل شيء خلقه اللائق به بطريق الإحسان والتفضل. وقيل: (خلْقه) المفعول الأول، (وكل شيء) المفعول الثاني على تضمين الإحسان معنى الإلهام كما قال الفراء، أو التعريف كما قاله أبو البقاء والمعنى ألهم أو عرَّف خلقه كل شيء مما يحتاجون إليه فيؤول إلى قوله تعالى: (أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) واختار أبو علي في الحجة ما ذكره سيبويه في الكتاب أنه مفعول مطلق لـ أحسن من معناه. وفي الجلالين: بفتح اللام (خلقه) فعل ماض: صفة وبسكونها (خلْقه) بدل اشتمال.