ثم أخبر عن دقائق الحكمة وحقائقها بقوله: {يَا بُنَيَّإِنَّهَآ} [لقمان: 16] يشير إلى المقسومات الأزلية من الأرزاق والأخلاق الإنسانية والمواهب الإلهية، {إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ} [لقمان: 16] في الصورة والمعنى، {أَوْ فِي الْأَرْضِ} [لقمان: 16] في الصورة والمعنى {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ} [لقمان: 16] لمن قدر له وقسم من أسباب السعادة والشقاوة إن شاء بطريق كسب العبد وإن شاء {يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً} [الطلاق: 2] في حصولها {مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2] ، {إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ} [لقمان: 16] بعباده {خَبِيرٌ} [لقمان: 16] بإتيان ما قسم لهم بلطف ربوبيته فالواجب على العبد أن يثق بوعده ويتكل على كرمه فيما قدر له ويسعى إلى القيام بعبوديته.
كما أمره الله تعالى بقوله: {يَا بُنَيَّأَقِمِ الصَّلاَةَ} [لقمان: 17] أي: أدمها، وأدامتها في أن ينتهي من الفحشاء والمنكر فإنه تعالى وصف الصلاة بأن {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] فإنه في الصلاة وإن لم يكن على هيئاتها، ومن لم يكن منتهياً عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، وإن كان مؤدياً هيئاتها، ولهذا المعنى ذكر عقيب قوله: {أَقِمِ الصَّلاَةَ} ، وقوله: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [لقمان: 17] يشير به إلى أن تأمر قلبك بالمعروف والمعروف ما يوصل العبد إلى الله وتنهي نفسك عن المنكر والمنكر ما يشغل العبد عن الله.
وقوله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ} [لقمان: 17] يشير إلى أن البلاء والمحنة فلا بد للمريد الصادق أن يصبر على ما أصابه في أثناء الطلب مما ابتلاه الله به من الخوف من الأعداء في الظاهر أو من الأعداء في الباطن والجوع من الجوع الظاهر عند قلة الغذاء للنفس أو مفارقة الأولاد والأهالي والإخوان والثمرات يعني: ثمرات المجاهدات.