ثم أخبره ربه {بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ...} [البقرة: 259] ويريد الحق سبحانه أن يُدلِّل على صدق الرجل في قوله يوماً أو بعض يوم ، وعلى صدقه تعالى في قوله مائة عام ، فيقول سبحانه: {فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ...} [البقرة: 259] أي: لم يتغير .
وهذا دليل على صِدْقه في يوم أو بعض يوم
{وانظر إلى حِمَارِكَ ...} [البقرة: 259]
وهذا دل على صدق الحق - تبارك وتعالى - في قوله {مائَةَ عَامٍ ...} [البقرة: 259] فكلا القولين صادق ؛ لأن الله تعالى هو القابض الباسط ، يقبض الزمن في حق قوم ، ويبسطه في حق آخرين .
وهذه الآية جمعتْ خمسة أمور استأثر الله تعالى بعلمها: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ . .} [لقمان: 34]
فهل هذه هي كل الغيبيات في الكون؟ نقول: في الكون غيبيات كثيرة لا نعرفها ، فلا بُدَّ أن هذه الخمس هي المسئول عنها ، وجاء الجواب على قدر السؤال ، بالله لو هَبَّتْ الريح ، وحملتْ معها بعض الرمال ، أنعرف أين ذهبت هذه الذرات؟ وفي أي ناحية ، أنعرف ورق الشجر كم تساقط منها؟
هذه كلها غيبيات لا يعلمها أيضاً إلا الله ، أما نحن فلا نعلم حتى عدد النِّعَم التي أنعم الله بها علينا {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ...} [إبراهيم: 34]
إذن: فهذه نماذج لما استأثر الله بعلمه ؛ لأن الله تعالى قال: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27]