إذن: لا ينبغي أن تقول: إن الدنيا طويلة ؛ لأن عمرك فيها قصير ، ثم إنك لا تعلمه ، ولا تستطيع أنْ تتحكم فيه ، وكما أبهم الله الساعة أبهم الأجل ؛ لأن في إبهامه أنفع البيان ، فلما أبهم الله الأجل جعل النفس البشرية تترقبه في كل لحظة ، فكل لحظة تمر عليك يمكن أن يأتيك فيها الموت .
وهكذا أشاع الموت في كل الزمن ، وما دام الأمر كذلك فلا بُدَّ أن ينتبه الإنسان ويخشى أن يموت وهو على معصية ، فالإبهام هنا هو عَيْن البيان .
وقلنا: إن الذين ماتوا من لَدُن آدم عليه السلام يلبثون في قبورهم طوال هذه المدة ، فإذا ما قامت القيامة {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46] لماذا؟ قالوا: لأن قياس الزمن إنما يتأتى بالأحداث ، فحيث لا توجد أحداث لا يوجد زمن .
ومثَّلْنا لذلك بأهل الكهف الذين مكثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ، ومع ذلك لما سأل بعضهم بعضاً {كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ...} [الكهف: 19]
لماذا؟ لأن النوم يخلو من الأحداث ، فلا يشعر النائم فيه بالزمن ، كما أنهم لما رأى بعضهم بعضاً بعد هذه الفترة رآه على حالته التي نام عليها لم يتأثر بمرور هذه المدة ، ولم تتغير هيئته ، فأقصى ما يمكن تصوُّره أن يقول: لبثنا يوماً أو بعض يوم .
وكذلك الحال في قصة العُزير الذي قال الله عنه: {أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا قَالَ أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ...} [البقرة: 259] ؛ لأن هذه هي أطول مدة يمكن أن ينامها الإنسان .