والغَرُور بالفتح هو الشيطان ، وله في غروره طرق وألوان ، فغرور للطائعين وغرور للعاصين ، فلكل منهما مدخل خاص ، فيغرّ العاصي بالمعصية ، ويوسوس له بأن الله غفور رحيم ، وقد عصا أبوه فغفر الله له . لذلك أحد الصالحين سمع قول الله تعالى: {يا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم * الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ} [الانفطار: 6 - 7] فأجاب هو: غرَّني كرمه ، لأنه خلقني وسوَّاني في أحسن صورة ، وعاملني بكرم ودلَّّلني ، حتى أصابني الغرور بذلك ، ولو أنه عز وجل قسا علينا ما اغتررنا .
وكان لأحدهم دَيْن خمسة صاغ فضة عند آخر ، فردَّها إليه ، فلما نظر فيها الدائن وجدها ممسوحة فأعادها إليه ، فقال المدين: والله لو كنت كريماً لقبلتها دون أنْ تنظر فيها .
فأخذ الواعظ هذه الواقعة وأراد أنْ يعظ بها الدائن ، وكان يصلي صلاةً لا خشوعَ فيها ، فقال له: إن صلاتك هذه لا تعجبني ، فهي نَقْر لا خشوع فيها ، أرأيت لو أن لك دَيْنا فأعطاك صاحب الدين نقوداً ممسوحة قديمة أكنت تقبلها؟ فقال الرجل: والله لو كنتُ كريماً أقبلها ولا أردها .
ثم يقول الحق سبحانه مختتماً سورة لقمان: {إِنَّ الله عِندَهُ ...} .
بعد أن حذرنا ربنا - تبارك وتعالى - من الغرور في الحياة الدنيا يُذكِّرنا أن بعد هذه الحياة حياة أخرى ، وقيامه وساعة {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة . .} [لقمان: 34] والساعة لا تعني القيامة فحسب ، إنما لكل منا ساعته ، لأنه مَنْ مات فقد قامت قيامته .
لماذا؟ لأنه انقطع عمله ، ولا يمكنه تدارك ما فاته من الإيمان أو العمل الصالح ، فكأن قيامته قامت بموته .
وقلنا: إن عمر الدنيا بالنسبة لك هو مقدار عمرك فيها ، وإنْ كان عمر الدنيا على الحقيقة من لَدُن آدم - عليه السلام - إلى قيام الساعة ، لكن ماذا استفدتَ أنت من عمر غيرك؟