وما دام وعد الله حقاً فعليك أنْ تفعل ما وعدك عليه بالخير وتجتنب ما توعَّدك عليه بشرٍّ ، وألاَّ تغرك الحياة {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا . .} [لقمان: 33] أي: بزينتها وزُخْرفها ، فهي سراب خادع ليس وراءه شيء ، واقرأ قول الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]
والحق سبحانه يضرب لنا مثلاً للدنيا ، لا ليُنفِّرنا منها ، وإنما لنحتاط في الإقبال عليها ، وإلا فحبُّ الحياة أمر مطلوب من حيث هي مجال للعمل للآخرة ومضمار للتسابق إليها .
يقول تعالى في هذا المثل: {واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا ...} [الكهف: 45] فسماها دنيا ، وليس هناك وصف أبلغ في تحقيرها من أنها دنيا {كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح ...} [الكهف: 45] نعم ، كذلك الدنيا تزدهي ، لكن سرعان ما تزول ، تبدأ ابتداءً مقنعاً مغْرياً ، وتنتهي انتهاءً مؤسفاً .
وقوله تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور} [لقمان: 33] والغَرور بالفتح الذي يغرُّك في شيء ما ، والغرور يوضحه لنا الشاعر الجاهلي وهو يخاطب محبوبته فيقول:
أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التدَلُّل ... وإنْ كنت قَدْ أَزْمعتِ صَرْمي فأَجْمِلِي
أغرَّك مني أنَ حبَّكِ قَاتِلي ... وأَنَّكِ مَهْما تأْمُري القَلْبَ يفعَلِ
فمعنى غرَّك: أدخل فيك الغرور ، بحيث تُقبل على الأشياء ، وتتصرف فيها في كنف هذا الغرور وعلى ضوئه .