فإذا كانت الجنة وما فيها نعماً تستحق الشكر ، ويمتنّ الله بها علينا ، فأيُّ نعمة في الشواظ والنار والعذاب؟ قالوا: هي نعمة من حيث هي تحذير وتخويف من العذاب لتبتعد عن أسبابه ، وتنجو منه قبل أنْ تقع فيه ، نعمة لأن الله لم يأخذنا على غِرَّة ، ونبهنا إلى الخطر قبل أنْ نقع فيه .
ووَعْد الله حقٌّ ؛ لأنه وعد ممَّنْ يملك الوفاء بما وعد ، وإنفاذ ما وعد به ، أما غير الله سبحانه فلا يملك أسباب الوفاء ، فوعده لا يُوصَف بأنه حق ؛ لذلك قال سبحانه في سورة الكهف: {وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ...} [الكهف: 23 - 24]
فأنت وإنْ كنتَ صادقاً فيما وعدتَ به إلا أنك لا تضمن البقاء إلى أنْ تفي بما وعدتَ ، فإنْ بقيت فقد تتغير الأسباب فتحول بينك وبين الوفاء ، وأنت لا تملك سبباً واحداً من هذه الأسباب .
إذن: تأدب ودَع الأمر لمَنْ يملك كل أسباب إنفاذ الوعد ، وقُلْ سأفعل كذا إن شاء الله ، حتى إذا لم تنفذ يكون لك حجة فتقول: أردتُ لكن الله لم يشأ .
وكأن ربنا - عز وجل - يريد أنْ يداري كذبنا ويستره علينا ، يريد ألاَّ يفضحنا به ، وأخرجنا من هذه المسئولية بترك المشيئة له سبحانه ، وكأن قدر الله في الأشياء صيانة لعبيده من عبيده . لذلك كثيراً ما نقول حينما لا نستطيع الوفاء: هذا قدر الله ، وماذا أفعل أنا ، والأمر لا يُقضى في الأرض حتى يُقضى في السماء .
وما دمنا قد آمنا بقدر الله والحكمة منه ، فلا تغضب مني إنْ لم أفِ لك وأنت كذلك ، والعاقل يعلم تماماً حين يقضي أمراً لأحد أن قضاء الأمر جاء معه لا به ، فالقدر قضاء ، ووافق قضاؤه قضاء الله للأمر ، فكأن الله كرَّمه بأنْ يقضي الأمر على يديه ، لذلك قلنا: إن الطبيب المؤمن يقول: جاء الشفاء معي لا بي ، وأن الطبيب يعالج والله يشفي ، إذن: لا يُوصَف الوعد بأنه حقٌّ إلا وعد الله عز وجل .