ثم أوثرت جملة ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً بطرق من التوكيد لم تشتمل على مثلها جملة {لا يجزي والد عن ولده} فإنها نظمت جملة اسمية ، ووُسِّط فيها ضمير الفصل ، وجعل النفي فيها منصبّاً إلى الجنس.
ونكتة هذا الإيثار مبالغة تحقيق عدم جَزْءِ هذا الفريق عن الآخر إذ كان معظمُ المؤمنين من الأبناء والشباببِ ، وكان آباؤهم وأمهاتهم في الغالب على الشرك مثل أبي قحافة والد أبي بكر ، وأبي طالب والد علي ، وأم سعد بن أبي وقاص ، وأم أسماء بنت أبي بكر ، فأُريد حسم أطماع آبائهم وما عسى أن يكون من أطماعهم أن ينفعوا آباءهم في الآخرة بشيء.
وعبر فيها بـ {مولود} دون (ولد) لإشعار {مولود} بالمعنى الاشتقاقي دون (ولد) الذي هو اسم بمنزلة الجوامد لقصد التنبيه على أن تلك الصلة الرقيقة لا تخول صاحبها التعرض لنفع أبيه المشرك في الآخرة وفاء له بما تُومئ إليه الموْلُودية من تجشّم المشقة من تربيته ، فلعله يتجشم الإلحاح في الجزاء عنه في الآخرة حسماً لطمعه في الجزاء عنه ، فهذا تعكيس للترقيق الدنيوي في قوله تعالى {وقل ربّ ارحمهما كما رَبَّيَاني صغيراً} [الإسراء: 24] وقوله: {وصاحبْهما في الدنيا معروفاً} [لقمان: 15] .
وجملة {إن وعد الله حق} علة لجملتي {اتقوا ربّكم واخْشَوْا يوماً} .
ووعدُ الله: هو البعث ، قال تعالى: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخِرون عنه ساعةً ولا تستقدمون} [سبأ: 29 30] .
وأكد الخبر بـ {إنّ} مُراعاة لمنكري البعث ، وإذ قد كانت شبهتهم في إنكاره مشاهدة الناس يموتون وبخلفهم أجيال آخرون ولم يرجع أحد ممن مات منهم {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} [الجاثية: 24] وقالوا: {إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} [الأنعام: 29] .