والأمر بخشيته تتضمن وقوعه فهو كناية عن إثبات البعث وذلك حظ المشركين منه الذين لا يؤمنون به حتى صار سمة عليهم قال تعالى {وقال الذين لا يرجون لقاءنا} [الفرقان: 21] .
وجملة {لا يَجْزِي والدٌ عن ولده} الخ صفة يوم وحذف منها العائد المجرور بـ (في) توسعاً بمعاملته معاملة العائد المنصوب كقوله {واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} في سورة البقرة (48) .
وجَزى إذا عدي بـ عن فهو بمعنى قضى عنه ودفع عنه ، ولذلك يقال للمتقاضي: المتجازي.
وجملة {ولا مولود} الخ عطف على الصفة و {مولود} مبتدأ.
و {هو} ضمير فصل.
و {جاز} خبر المبتدأ.
وذكر الوالد والولد هنا لأنهما أشد محبة وحمية من غيرهم فيعلم أن غيرهما أولى بهذا النفي ، قال تعالى: {يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه} الآية [عبس: 34 35] .
وابتدئ بـ {الوالد} لأنه أشد شفقة على ابنه فلا يجد له مخلصاً من سوء إلا فعله.
ووجه اختيار هذه الطريقة في إفادة عموم النفي هنا دون طريقة قوله تعالى: {واتقوا يوماً لا تجزي نفسٌ عن نفس شيئاً} في سورة البقرة (123) ، أن هذه الآية نزلت بمكة وأهلها يومئذ خليط من مسلمين وكافرين ، وربما كان الأب مسلماً والولد كافراً وربما كان العكس ، وقد يتوهم بعضُ الكافرين حين تُداخلهم الظنون في مصيرهم بعد الموت أنه إذا ظهر صدق وعيد القرآن إياهم فإن من له أب مسلم أو ابن مسلم يدفع عنه هنالك بما يُدلّ به على رَبّ هذا الدين ، وقد كان قاراً في نفوس العرب التعويل على المولَى والنصير تعويلاً على أن الحَمية والأنفة تدفعهم إلى الدفاع عنهم في ذلك الجمع وإن كانوا من قبل مختلفين لهم لضيق عطن أفهامهم يقيسون الأمور على معتادهم.
وهذا أيضاً وجه الجمع بين نفي جزاء الوالد عن ولده وبين نفي جزاء الولَد عن والده ليشمل الفريقين في الحالتين فلا يتوهم أن أحد الفريقين أرجى في المقصود.