إذن: فحقيقة القمر التي عرفناها أخيراً آية من آيات الله الظاهرة والباطنة في الكون أطلعنا الله عليها بسلطان العلم ، فلما تيسَّر للبشر الصعود إلى سطحه عرفنا أنه جسم مُعْتم ، وصخور لا تنير بذاتها ، إنما تعكس أشعة الشمس ، فتصل إلينا هادئة حالمة ، وكأن القمر كما يقولون: (يصنع من الفسيخ شربات) .
ومن حكمة الخالق سبحانه في خَلْق الشمس والقمر أن تكون الشمس ميزاناً لمعرفة اليوم ، والقمر لمعرفة الشهر ، وهو الأصل في التكليفات ، لأن له شكلاً مميزاً في أول الشهر على خلاف الشمس ؛ لذلك يقول سبحانه: {هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب ...} [يونس: 5] .
وتتجلى عظمة التكليف الإلهي وارتباطه بالقمر في فريضة الحج مثلاً ، بحيث يتنقل موعد الحج على مدار العام كله ، فمرة يأتي في الصيف ، وأخرى في الشتاء . . إلخ مما يُيسِّر للحجاج ما يناسب كلاً منهم من الجو الملائم ، ويقطع الأعذار في التخلف عن أداء هذه الفريضة .
إذن: بالتوقيت القمري يأتي الحج في كل أوقات السنة ؛ لذلك قال البعض: إن ليلة القدر دائرة في العام كله إذا ما قارنا التوقيت الشمسي بالتوقيت القمري ، فإنِ اتفقنا على أن ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان ، فإنها ستوافق أول يناير مثلاً ، وفي العام التالي توافق الثاني ، ثم الثالث وهكذا . . وهذا من رحمة الله تعالى بعبادة . .
ثم يقول سبحانه: {وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [لقمان: 29] وما دام أنه سبحانه خبير بما تعملون ، فهو الذي يهييء لكم صلاح العمل بخبرته وحكمته وقدرته وقيوميته ؛ لذلك شرع لكم الأعمال التي تنظم حركة حياتكم وحركة عبادتكم ؛ لذلك نجد رمضان مثلاً يدخل بالليل فنقول هذه الليلة من رمضان ، أما يوم عرفة فيدخل بيومه لأنه يوم مجموع له الناس .