إما قصد التستر عليه، وإما قصد العموم للتخويف، حتى أن كل أحد من المخالفين يظن أن الآية تتناوله، والمجادلة تتعدى باللام وفي، والمجادل لله بحق، لأنه يجادل لإظهار دين الله ونصرته، والمجادل في الله مبطل، لأنه يجادل قادحا في دين الله لنصرة الإشراك بالله.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) .
قال ابن عرفة: يستفاد منها أن المجادل في الشيء تارة يكون جداله بعلم استعمله واستنبطه من عقله، وتارة يأتي بدليل استفاده من غيره ممن هو مثله، كمن يستدل بدليل ذكره القاضي الباقلاني، أو غيره، وتارة يأتي بدليل سمعي: كتاب، أو سنة، استفادها من نبي معصوم، أو بلغه عنه، فالأول: راجع لقوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) ، والثاني: بقوله تعالى: (وَلَا هُدًى) ، والثالث: بقوله تعالى: (وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) .
قوله تعالى: (مُنِيرٍ) إشارة إلى ذلك الدليل الذي من الكتاب والسنة قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، وأشار الفخر إلى بعض، قال: وفي الآية حجة من قاعدة المنطق واستعمال لفظه غير ذي الأولى، لأنها كالمعدولة المقتضية لوجود الموضوع،
فالمعنى: ومن النَّاس من يجادل في الله بشيء هو غير علم؛ لأن المجادل في الله قابل؛ لأن يستفيد علما بعقله، كقوله: زيد غير بصير، ولم يأت به في الثاني، لأن الدليل في إبطال دين الله المستفاد من العقل أو الكتاب أو السنة منتف غير ثابت في نفس الأمر فنفيه من باب السلب، مثل الحائط لَا يبصر.
قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ... (21) }
قال الفخر: هنا الفعل أبلغ من القول.
ابن عرفة: بل بينهما عموم من وجه، فالفعل أبلغ من القول باعتبار الحصول والقول أبلغ من الفعل باعتبار المتعلق؛ لأن متعلقه أمر كلي، ومتعلق الفعل خبر، أي ولذلك العالم يُقتدَى بقوله دون فعله، فإنه يترخص في نفسه بما لَا يفتى به لغيره.
قوله تعالى: (قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا) .