وكلمة {مِنْ عَزْمِ الأمور} [لقمان: 17] نقول: فلان له عزم ، ونسمع القرآن يقول: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله ...} [آل عمران: 159] العزم: الفرض المقطوع به ، والذي لا مناص عنه ، ومنه ما جاء في قول لقمان لما خيَّره ربه بين أن يكون رسولاً أو حكيماً ، فاختار الراحة وترك الابتلاء ، لكنه قال: يارب إنْ كانت عزمة منك فسمعاً وطاعة ، يعني: أمراً مفروضاً ينبغي ألاَّ نحيد عنه .
والعزم يعني شحن كل طاقات النفس للفعل والقطع به ، فالصلاة على الميت مثلاً لا تُسمَّى عزيمة ؛ لأنها فرض كفاية إنْ فعلها البعض سقطتْ عن الباقين ، على خلاف الصلاة التامة في السفر مثلاً حيث يعتبرها الإمام أبو حنيفة عزيمة لا رخصة ، فإن أتممت الصلاة في السفر أسأْت ، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه".
والمعنى: لا ترد يد الله المبسوطة لك بالتيسير في الصلاة أثناء السفر .
ثم يعتمد في هذا الرأي على دليل آخر من علم الأصول هو أن الصلاة فُرضَتْ في الأصل مثنى مثنى ، ثم أقرت في السفر وزيدت في الحضر . إذن: فصلاة السفر مع الأصل ، فلو أتممتَ الصلاة في السفر أسأْتَ .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ...} .
معنى: تصعر من الصَّعَر ، وهو في الأصل داء يصيب البعير يجعله يميل برقبته ، ويشبه به الإنسان المتكبر الذي يميل بخدِّه ، ويُعرض عن الناس تكبّراً ، ونسمع في العامية يقولون للمتكبر (فلان ماشي لاوي رقبته) .
فقول الله تعالى: {وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ . .} [لقمان: 18] واختيار هذا التشبيه بالذات كأن الحق سبحانه يُنبِّهنا أن التكبُّر وتصعير الخدِّ داء ، فهذا داء جسدي ، وهذا داء خلقي . وقد تنبه الشاعر إلى هذا المعنى فقال:
فَدَعْ كُلَّ طَاغِيةٍ للزَّمانِ ... فإنَّ الزمانَ يُقيم الصَّعَر