واستعملت مع طلب المشورة والفتيا، فما كانت لتتخلص من ظلالها تلك، كما في قوله تعالى على لسان ملكة سبأ: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ - إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ - أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ - قَالَتْ يَاأَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِي - قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} . والسياق الاجتماعي يبعث في الملأ دلالة على التفاهة وضعة الحلم.
وفي رؤيا عزيز مصر تتصدر التفاهة وانعدام الوعي الفكري إيحاءات لفظة الملأ، وذلك في قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ - قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ} . أما إيحاؤها بالبلادة والبلاهة فيأتي متدافعا مع الإيحاء بالضخامة والبدانة ونتن الرائحة. و إذا ما شعت الكلمة بهذه الدلالات فانها تعكس الواقع الذي عليه هؤلاء المقربين والجلساء، إذ يبدو أن هذا الاستعمال الدلالي يصور انغماس هؤلاء في الملذات والشهوات من دون أن تكون لديهم أدنى عناية بالجانب الروحي والفكري فكأني بهم عندما طلب إليهم الملك تعبير الرؤيا أجابوه وايديهم في الطعام، وأفواههم تغص به فما كلموه إلاَّ وقطع الطعام تتطاير منها، وهمهمة الآكلين بنهم تكسو المكان بالكسل والبرود وعدم الاهتمام بما يسمعون.