ويلاحظ أنه ليس الغرض من هذا إخبار الله تعالى بالتكذيب، لعلمه أن الله عالم الغيب والشهادة أعلم، ولكنه أراد أني لا أدعوك عليهم لإيذائي، وإنما أدعوك لأجلك ولأجل دينك، ولأنهم كذبوني في وحيك ورسالتك.
والمراد من هذا الحكم في قوله: فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً إنزال العقوبة عليهم لأنه قال عقبه: وَنَجِّنِي.
فأجاب الله دعاءه فقال:
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ أي أنجينا نوحا ومن آمن بدعوته، فوحد الله وأطاعه، وهجر عبادة الأصنام، وأنقذناهم بسفينة مملوءة بالناس والأمتعة وأجناس الحيوان. ثم أغرقنا بعد إنجائهم قومه الآخرين الذين بقوا على كفرهم، وخالفوا أمره. روي أن الناجين كانوا ثمانين، أربعين رجلا وأربعين امرأة.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي إن في إنجاء المؤمنين
وإغراق الكافرين لعبرة وعظة لكل من صدق أو كذب بالرسل، وإن من سنتنا دائما إنجاء الرسل وأتباعهم، وإهلاك الذين كذبوا برسالتهم.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي وإن ربك الله لهو القوي الغالب المنتقم ممن كفر به وخالف أمره، الرحيم بمن أطاعه وأناب إليه وتاب، فلا يعاقبه.
فقه الحياة أو الأحكام:
الوثنية وعبادة الأصنام تقارن عادة وجود الشعوب البدائية، فهي في الغالب عقيدتهم، لذا كان نوح عليه السلام أول رسول للناس بعد ظهور هذه العقيدة. والبدائية والمادية وسخف العقل وسطحية التفكير أمور متلازمة، لذا كان الإصرار على عبادة شيء من دون الله هو الظاهرة الشائعة، وكانت مهمة الأنبياء المتقدمين عسيرة وصعبة.