وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} ذكر مكررًا للتأكيد في ثلاثة مواضع: في قصة نوح، وهود، وشعيب،
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خصت الثلاثة بالتأكيد؟
قلت: اكتفاء عنه في قصة لوط بقوله: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} ، وفي قصة شعيب بقوله: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) } لاستلزامهما له.
111 -وبعد أن أقام الدليل على صدق رسالته وعظيم نصحه وأمانته لهم .. أرادوا أن يتنصلوا من اتباع دعوته بحجة هي أوهى من بيت العنكبوت، كما ذكره بقوله: {قَالُوا} ؛ أي: قال قوم نوح {أَنُؤْمِنُ لَكَ} الاستفهام للإنكار؛ أي: لا نؤمن لك {وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} ؛ أي: والحال أنه قد اتبعك الأخسون؛ أي: الأقلون مالًا وجاهًا، والمراد بهم هنا فقراء الناس وضعفاؤهم، وإنما بادروا للاتباع قبل الأغنياء؛ لاستيلاء الرئاسة على الأغنياء وصعوبة الانفكاك منها، والأنفة عن الانقياد للغير، والفقير خلي من تلك الموانع، فهو سريع الإجابة والانقياد، وهذا غالب أحوال أهل الدنيا اهـ."قرطبي"من سورة هود.
وهذا من كمال سخافة عقولهم وقصرهم أنظارهم على الدنيا، وكون الأشرف عندهم من هو أكثر منها حظًا، والأرذل من حرمها، وجهلهم أنها لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن النعيم هو نعيم الآخرة، والأشرف من فاز به، والأرذل من حرمه، وهكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما زالت أتباع الأنبياء ضعفاء الناس، وقس أتباع العلماء على أتباعهم من حيث وراثتهم لدعوتهم وعلومهم وأذواقهم، ومحنهم وابتلائهم، وذلك لأن العلوم من أرباب المال والجاه والثروة لم تأت إلا نادرًا.
والمعنى: أي قالوا: كيف نتبعك ونصدقك ونؤمن بك، ونأتسى بهؤلاء الأراذل الذين اتبعوك، ومرادهم أن هذا لن يكون أبدًا، وهذه شبهة لا ينبغي لعاقل أن يركن إليها؛ لأن نوحًا عليه السلام بعث إلى الخلق كافة، لا فارق بين غني وفقير وصعلوك وأمير، ولا بين ذوي البيوتات والحسب، وذوي الوضاعة والخسة في النسب، فليس له إلا اعتبار الظواهر دون التفتيش والبحث عن البواطن، ومن ثم أجابهم بقوله: {وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} .