وقال {فأراد ربك أن يبلغا أشدهما} (الكهف ،) ، وأجاب الرازي بأنّ أكثر أسباب المرض محدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك ، ومن ثم قال الحكماء لو قيل لأكثر الموتى ما سبب آجالكم لقالوا التخم ، وبأنّ الشفاء محبوب وهو من أصول النعم والمرض مكروه وليس من النعم ، وكان مقصود إبراهيم عليه السلام تعديد النعم ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى الله تعالى ولا ينتقض ذلك بإسناد الإماتة إليه كما سيأتي ، فإنّ الموت ليس بضرّ لأنّ شرط كونه ضرّاً وقوع الإحساس به وحال الموت لا يحصل الإحساس به إنما الضرر في مقدماته وذلك هو عين المرض ، ولأنّ الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر وخلاصها عنها عين السعادة بخلاف المرض.
{والذي يميتني} يقبض روحي في الدنيا ليخلصني من آفاتها {ثم يحيين} للمجازاة في الآخرة كما شفاني من المرض ، ولهذا التراخي بين الموت والإحياء أتى بثم هنا لأنّ الإماتة في الدنيا والإحياء في الآخرة ، ولما ذكر البعث ذكر ما يترتب عليه بقوله:
{والذي أطمع} هضماً لنفسه وإطراحاً لأعماله {أن يغفر} أي: يمحو أو يستر {لي خطيئتي} أي: تقصيري عن أن أقدره حق قدره {يوم الدين} أي: الجزاء.
روي أنّ عائشة قالت قلت يا رسول الله: إنّ ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال:"لا ينفعه ، إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه أنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال.
فإن قيل: لم قال والذي أطمع والطمع عبارة عن الظنّ والرجاء وهو عليه السلام كان قاطعاً بذلك؟.
أجيب: بأنّ في ذلك إشارة إلى أن الله تعالى لا يجب عليه لأحد شيء ، فإنه يحسن منه تعالى كل شيء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله.
فإن قيل: لم أسند لنفسه الخطيئة مع أنّ الأنبياء معصومون ؟