{فَقَالَ الملأ} أي الأشراف {الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ} وصف الملأ بالكفر مع اشتراك الكل فيه للإيذان بكمال عراقتهم وشدة شكيمتهم فيه ، وليس المراد من ذلك إلا ذمهم دون التمييز عن أشراف آخرين آمنوا به عليه السلام إذ لم يؤمن به أحد من أشرافهم كما يفصح عنه قول: {مَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا} [هود: 27] وقال الخفاجي: يصح أن يكون الوصف بذلك للتمييز وإن لم يؤمن بعض أشرافهم وقت التكلم بهذا الكلام لأن من أهله عليه السلام المتبعين له أشرافاً ؛ وأما قول: {مَا نَرَاكَ} [هود: 27] الخ فعلى زعمهم أو لقلة المتبعين له من الأشراف ، وأياً ما كان فالمعنى فقال الملأ لعوامهم {مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ} أي في الجنس والوصوف من غير فرق بينكم وبينه وصفوه عليه السلام بذلك مبالغة في وضع رتبته العالية وحطها عن منصب النبوة ، ووصفوه بقوله سبحانه: {يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} إغضاباً للمخاطبين عليه عليه السلام وإغراءً لهم على معاداته ، والتفضل طلب الفضل وهو كناية عن السيادة كأنه قيل: يريد أن يسودكم ويتقدمكم بادعاء الرسالة مع كونه مثلكم ، وقيل: صيغة التفعل مستعارة للكمال فإنه ما يتكلف له يكون على أكمل وجه فكأنه قيل: يريد كمال الفضل عليكم {وَلَوْ شَاء الله لأنزَلَ ملائكة} بيان لعدم رسالة البشر على الإطلاق على زعمهم الفاسد بعد تحقيق بشريته عليه السلام أي ولو شاء الله تعالى إرسال الرسول لأرسل رسلاً من الملائكة ، وإنما قيل {لأنزَلَ} لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال فمفعول المشيئة مطلق الإرسال المفهوم من الجواب لا نفس مضمونه كما في قوله تعالى: {وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ} [النحل: 9] ولا بأس في ذلك ، وأما القول بأن مفعول المشيئة إنما يحذف إذا لم يكن أمراً غريباً وكان مضمون الجزاء فهو ضابطة للحذف المطرد فيه لا مطلقاً فإنه كسائر المفاعيل