ولما كانت أدلة الوحدانية والعظمة بإعطاء الثواب وإحلال العقاب في غاية الظهور لا تحتاج إلى كبير تأمل ، تسبب عن ذلك إنكاره لأمنهم من مكره ، والخوف من ضره ، فقال: {أفلا تتقون} أي تخافون ما ينبغي الخوف منه فتجعلوا لكم وقاية من عذابه فتعملوا بما تقتضيه التقوى من إفراده بالعبادة خوفاً من ضركم ورجاء لنفعكم {فقال} أي فتسبب عن ذلك أن كذبوه فقال: {الملأ} أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور عظمة.
ولما كان أهل الإيمان كلهم إذ ذاك قبيلة واحدة لاجتماعهم في لسان واحد قدم قوله: {الذين كفروا} أي بالله لأن التسلية ببيان التكذيب أتم ، والصلة هنا قصيرة لا يحصل بها لبس ولا ضعف في النظم بخلاف ما يأتي ، وكأن أفخاذهم كانت متمايزة فزاد في الشناعة عليهم بأن عرف أنهم من أقرب الناس إليه بقوله: {من قومه ما هذا} أي نوح عليه الصلاة والسلام {إلا بشر مثلكم} أي فلا يعلم ما لا تعلمون ، فأنكروا أن يكون بعض البشر نبياً ، ولم ينكروا أن يكون بعض الطين إنساناً ، وبعض الماء علقة ، وبعض العلقة مضغة - إلى آخره ، فكأنه قيل: فما حمله على ذلك؟ فقالوا: {يريد أن يتفضل} أي يتكلف الفضل بادعاء مثل هذا {عليكم} لتكونوا أتباعاً له ، ولا خصوصية له به دونكم.
ولما كان التقدير: فلم يرسله الله كما ادعى ، عطف عليه قولهم: {ولو شاء الله} أي الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره {لأنزل} لذلك {ملائكة} وما علموا أن القادر على تفضيل بعض الجواهر بجعلها ملائكة قادر على تفضيل ما شاء ومن شاء بما يشاء من الملائكة وغيرها.