3 -والثالث: الإعراض عن اللغو، وذكره بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ} ؛ أي: عما لا يعنيهم من الأقوال والأفعال {مُعْرِضُونَ} ؛ أي: مجتنبون عنه في جميع الأوقات، غير ملتفتين إليه؛ أي: الذين هم تاركون لما لا حاجة إليه في أمور الدين والدنيا، من الأقوال والأفعال في عامة أوقاتهم، قال الزجاج: واللغو هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية، وما لا يجمل من القول والفعل، انتهى. والمراد به: كل ما لا يعود على الشخص منه فائدة في الدين، أو الدنيا، قولًا أو فعلًا مكروهًا أو مباحًا، كالهزل واللعب، وضياع الأوقات فيما لا يعني، والتوغل في الشهوات، وغير ذلك مما نهى عنه. وتوسيط حديث الإعراض بين الطاعة البدنية والمالية، لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة، وقال أبو حيان: ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة، أتبعهم الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس، اللذين هما قاعدتا بناء التكليف، انتهى.
والمعنى: أي الذين يعرضون عن كل ما لا يعنيهم، وعن كل كلام ساقط حقه أن يلغى، كالكذب والهزل والسبّ، إذ لهؤلاء من الجد ما يشغلهم، فهم في صلاتهم معرضون عن كل شيء، إلا عن خالقهم، وفي خارجهم معرضون عن كل ما لا فائدة فيه، فهم متجهون للجد، وصالح الأعمال، فهم قد استفادوا من خشوع الصلاة وانتفعوا منه بعدها، وتخلقوا بأخلاق النبيين والصديقين.
4 -والرابع: تطهيرهم لأنفسهم بأداء الزكاة، وذكره بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ} ؛ أي: للصدقة المفروضة {فَاعِلُونَ} ؛ أي: مؤدونها إلى مستحقيها من الأصناف الثمانية المذكورة في سورة التوبة؛ لأجل طهارة أنفسهم وتزكيتها، كما قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) } وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) } .