قالوا: الحق - تبارك وتعالى - عندما خلق الخَلْق ، وجعل فيهم الاختيار بين الإيمان والكفر ، وبين الطاعة والمعصية رتَّبَ على ذلك أموراً ، فجعل الجنة على فرض أن الخَلْق كلهم مؤمنون ، بحيث لو دخلوا الجنة جميعاً ما كانت هناك أزمة أماكن ولا زحام ، وكذلك جعل النار على فرض أن الخَلْق كلهم كافرون ، فلو كفر الناس جميعاً لكان لكل منهم مكانه في النار .
وعليه فحين يدخل أهل الجنةِ الجنةَ يتركون أماكنهم في النار ، وحين يدخل أهل النارِ النارَ يتركّون أماكنهم في الجنة ، فيرث أهل النار الأماكن الشاغرة فيها ، ويرث أهل الجنة الأماكن الشاغرة فيها .
والفردوس أعلى مكان في الجنة ، لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول"إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة"ذلك ؛ لأن الفردوس جنة على أعلى رَبْوة في الجنة . يعني: في مكان مُميّز منها ، والعلو في مسألة المسكن والجنان أمر محبوب في الدنيا ، الناس يُحبون السُّكْنى في الأماكن العالية ، حيث نقاء الهواء ونقاء الماء ، أَلاَ تراهم يزرعون في المرتفعات ، وإنْ كانت الأرض مستوية يجعلون فيها مصارف منخفضة تمتصُّ الماء الزائد الذي يفسد الزرع ؛ لذلك يقول سبحانه: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} [البقرة: 265] .
كذلك الأرض المرتفعة لا تُسْقَى بالماء الغمر ، إنما تُسْقَى من ماء السماء الذي يغسل الأوراق قبل أن يروي الجذور ، فيكون النبات على أفضل ما يكون ؛ لذلك يقول عنها رب العزة: {فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} [البقرة: 265] .
ومعلوم أن الأوراق هي رئة النبات ، وعليها تقوم عملية التمثيل الضوئي التي يصنع منها النبات غذاءه ، فإذا ما سُدَّت مسام الأوراق وتراكم عليها الغبار فإن ذلك يُقلِّل من قدرة النبات على التنفس ، مثل الإنسان حينما يُصَاب بشيء في رئته تزعجه وتُقلِّل من كفاءته .