فالاستثناء في قوله: {إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ} الآية لا يرجع قولاً واحداً ، إلى الجملة الأخيرة ، التي تليه أعني قوله تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 89] لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبداً ، ولو وصلوا إلى قوم بينكم ، وبينهم ميثاق ، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله: {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم} [النساء: 89] والمعنى: فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم ، وبينهم ميثاق ، فليس لكم أخذهم بأسر ، ولا قتلهم ، لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم ، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النَّبي صلى الله عليه وسلم كما ذكروا أن هذه الآية: نزلت فيه وفي سراقة بن مالك المدلجي ، وفي بني جذيمة بن عامر وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل إليه في القرآن العظيم: الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز تبين أنه ليس نصاً في الرجوع إلى غيرها.
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83] على ما قاله: جماعات من المفسرين ، لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعوا الشيطان ، كلا بدون استثناء ، قليل أو كثير كما ترى.
واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء ، فقيل: راجع لقوله: {أَذَاعُواْ بِهِ} [النساء: 83] وقيل: راجع لقوله {لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] وإذا لم يرجع للجملة التي تليه ، لم يكن نصاً في رجوعه لغيرها.