وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في سننه ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة"أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت {الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} فطأطأ رأسه"اه منه. وأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده ، ولا يرفع بصره. وخالف المالكية الجمهور ، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده ، واستدلوا لذلك بقوله تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} [البقرة: 144] قالوا: فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء ، وذلك ينافي كمال القيام. وظاهر قوله تعالى {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} لأن المنحني بوجهه إلى موضع سجوده ، ليس بمول وجهه شطر المسجد الحرام ، والجمهور على خلافهم كما ذكرنا.
واعلم أن معنى أفلح: نال الفلاح ، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين:
الأول: الفوز بالمطلوب الأكبر ، ومنه قول لبيد:
فاعقلي إن كنت لما تعقلي... ولقد أفلح من كان عقل
أي فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر.
والثاني: هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعميم ، ومنه قول لبيد أيضاً في رجز له:
لو أن حياً مدرك الفلاح... لناله ملاعب الرماح
يعني مدرك البقاء ، ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير ، أو الأضبط بن قريع:
لكل هم من الهوم سعه... والمسى والصبح لا فلاح معه
أي لا بقاء معه ، ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها الله في أول هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح به في الآيات المذكورة ، وأن من دخل الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين ، والمعنيان اللذان ذكرنا للفلاح بكل واحد منهما ، فسر بعض العلماء حديث الأذان والإقامة في لفظة: حي على الفلاح.
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)