وابن مالك وجماعة على الأخير ظناً منهم أن المبالغة فِي الاحتراز عن استماع الصاعقة إنما يكون عليه ولم يكتفوا فيها بتبادر الذهن إلى أن الكل أدخل فِي الأذن قبل النظر للقرينة ، وقيل: لا مجاز هنا أصلاً لأن نسبة بعض الأفعال إلى ذي أجزاء تنقسم يكفي فيه تلبسه ببعض أجزائه كما يقال: دخلت البلد وجئت ليلة الخميس ومسحت بالمنديل فإن ذلك حقيقة من أن الدخول والمجيء والمسح فِي بعض البلد ، والليلة ، والمنديل ولا يخفى أن كون مثل ذلك حقيقة ليس على إطلاقه ، والفرق بينه وبين ما نحن فيه ظاهر.
و {مِنْ} تعليلية تغني غناء اللام فِي المفعول له وتدخل على الباعث المتقدم والغرض المتأخر وهي متعلقة ب {يَجْعَلُونَ} وتعلقها بالموت بعيد أي يجعلون من أجل الصواعق وهي جمع صاعقة ولا شذوذ ، والظاهر أنها فِي الأصل صفة من الصعق وهو الصراخ وتاؤها للتأنيث إن قدرت صفة لمؤنث أو للمبالغة إن لم تقدر كراوية أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية كحقيقة وقيل: إنها مصدر كالعافية والعاقبة وهي اسم لكل هائل مسموع أو مشاهد ، والمشهور أنها الرعد الشديد معه قطعة من نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه ، وقد يكون معه جرم حجرى أو حديدي ، وسد الآذان إنما ينفع على المعنى الأول ، وقد يراد المعنى الثاني ويكون فِي الكلام إشارة إلى مبالغة أخرى فِي فرط دهشتهم حيث يظنون ما لا ينفع نافعاً ، وقرأ الحسن (من الصواقع) وهي لغة بني تميم كما فِي قوله:
ألم تر أن المجرمين أصابهم...
صواقع لا بل هن فوق الصواقع
وليس من باب القلب على الأصح إذ علامته كون أحد البناءين فائقاً للآخر ببعض وجوه التصريف والبناءان هنا مستويان فِي التصرف.