{يَجْعَلُونَ أصابعهم فِى ءاذَانِهِم مّنَ الصواعق حَذَرَ الموت} الضمائر عائدة على المحذوف المعلوم فيما قبل وكثيراً ما يلتفت إليه كما فِي قوله تعالى:
{وَكَم مّن قَرْيَةٍ أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا بياتا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4] .
والجملة استئناف لا محل لها من الإعراب مبني على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل عند بيان أحوالهم الهائلة فماذا يصنعون فِي تضاعيف تلك الشدة فقال: {يَجْعَلُونَ} الخ ، وجوزوا وجوهاً أخر ككونها فِي محل جر صفة للمقدر وجوز فيها وفي {يَكَادُ} [البقرة: 0 2] كونها صفة صيب بتأويل نحو لا يطيقونه أو فِي محل نصب على الحال من ضمير فيه ، والعائد محذوف أو اللام نائبة عنه أي صواعقه ، والجعل فِي الأصل الوضع.
والأصابع جمع إصبع وفيه تسع لغات حاصلة من ضرب أحوال الهمزة الثلاث فِي أحوال الباء كذلك ، وحكوا عاشرة وهي أصبوع بضمها مع واو وهي مؤنثة وكذا سائر أسمائها إلا الإبهام فبعض بني أسد يذكرها والتأنيث أجود.
وفي الآية مبالغة فِي فرط دهشتهم وكمال حيرتهم كما فِي الفرائد من وجوه.
أحدها: نسبة الجعل إلى كل الأصابع وهو منسوب إلى بعضها وهو الأنامل وثانيها: من حيث الإبهام فِي الأصابع والمعهود إدخال السبابة فكأنهم من فرط دهشتهم يدخلون أي أصبح كانت ولا يسلكون المسلك المعهود وثالثها: فِي ذكر الجعل موضع الإدخال فإن جعل شيء فِي شيء أدل على إحاطة الثاني بالأول من إدخاله فيه ، وهل هذا من المجاز اللغوي لتسمية الكل باسم جزئه أو للتجوز فِي الجعل ؟ أو هو من المجاز العقلي بأن ينسب الجعل للأصابع وهو للأنامل ، فيه خلاف والمشهور هو الأول وعليه الجمهور.