والثاني: في إضافتها إلى نفسك لقولك: {عَصَايَ} [طه: 18] وهي ثعبان لا فلمَّا قال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه: 18] قال تعالى اتكأت على غيري، فقال الله القهار: {يَا مُوسَى} [طه: 19] ليعلم أنها ليست تصلح للاتكاء ولا يصلح لك الاتكاء على غير الله إلا على لطفه وكرمه؛ لأنه يكون ثعبان وتحسب أنه متوكأ لك وواسطة رزق أغنامك إذ قلت: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} [طه: 18] وسعيت ونسيت أن الرزاق هو الله تعالى، وأحلت مآربك إليها إذ قلت: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} [طه: 18] ولم تحل مآربك إلى الله هو قاضي الحاجات مجيب الدعوات {فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} [طه: 20] لا عصى من خشب يابس فهرب منها موسى خائفاً مستحيياً خجلاً مما جرى عليه قولاً وفعلاً، فرجع إلى الله بقلبه مستغفراً له.
ثم أدركته العناية الأزلية وقال: {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} [طه: 21] يعني: كنت تحسب أن لك فيها المآرب والمنافع في البداية، ثم رأيتها وأنت خائف من مغايرها فخذها ولا نخف؛ لتعلم أن الله هو الضار والنافع، فيكون خوفك ورجاؤك منه وإليه لا من غيره {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} [طه: 22] أي: انزع يدك؛ أي: يد همتك من غير الله وعنهم {تَخْرُجْ} [طه: 22] من ظلمة الدارين نقية {بَيْضَآءَ} [طه: 22] اللون نورانية {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} [طه: 22] مضرة خسارتك تعود إليك من ترك الدارين مع التصرف فيهما بالله في الله ولله وهو {آيَةً أُخْرَى} [طه: 22] .